اراء

كلام بلا زواق.. إلى كل غيور على فلذات كبده

أيها الآباء، أيتها الأمهات،
لا تجعلوا أكبر همّكم أن يكبر أبناؤكم في أحسن البيوت وافخمها و اضخمها و اغلاهاها اثاتا ، بل أن يحملوا في داخلهم أحسن ما في البيوت من قيم الجد و الاجتهاد وتقدير الكبير واحترام الصغير و المحبة والايخاء والايثار . ولا تنشغلوا بأن تمنحوهم حياة خالية من الصعوبات بتعاملكم معهم كانهم من ذوي الحاجات، بل علّموهم كيف يواجهون الصعوبات بشموخ و شهامة و نخوة و تحدي ثابت دون أن يفقدوا كرامتهم أو إنسانيتهم.

ربّوا أبناءكم على أن يرفعوا رؤوسهم بالعلم، لا بالتعالي وبالعمل، لا بالمظاهر .وبالأخلاق، لا بادعاء الفضيلة والنفاق و السلوك المخالف للحقيقة وبالاستقلال و الاعتماد على انفسهم ، لا بالجحود و النكران وبحب الوطن والاعتزاز بالانتماء، لا بالشعارات وحدها.

علّموهم أن المال وسيلة وليس غاية، وأن المنصب مسؤولية وليس تشريفا او جسرا للمصلحة الذاتية، وأن القوة أمانة، وأن المعرفة لا تكتمل إلا بالتواضع، وأن النجاح لا تكون له قيمة كاملة إذا قام على ظلم الآخرين او احتقارهم و اقصائهم.

اجعلوا من البيت مدرسةً للحوار و محرابا للتواصل، ومختبرًا للمسؤولية، وملاذًا آمنًا عند الفشل والمطبات، ومصدرًا للشجاعة عند المحن. امنحوهم جذورًا ثابتة في القيم والمبادئ الراسخة المبنية على اسس علمية وعقيدة ، وأجنحةً واسعة بالعلم والطموح، واتركوا لهم مساحةً ليكتشفوا ذواتهم ويصنعوا مستقبلهم.

فأنتم لا تربّون أبناءً لأنفسكم وحدكم . أنتم تهيئون رجال الغد ونساءه، ومهنيي المستقبل ومفكريه ومواطنيه. وكلما أحسنتم بناء الإنسان في البيت، أسهمتم في بناء مجتمع أكثر عدلًا، ووطن أكثر كفاءة وخبرة، ومستقبل أقدر على مواجهة تحديات الزمن واللامنتظر و اللامتوقع.

إن أعظم ميراث تتركونه لأبنائكم ليس ما تجمعونه لهم وتدخرونه، بل ما تغرسونه فيهم .فالأموال قد تنفد و تندثر و كل مدخر سيفنى، والمناصب قد تزول، أما العقل المستنير، والخلق الكريم، والثقة المتزنة بالنفس، والقدرة على النهوض بعد العثرات، فثروة يحملها الإنسان معه أينما ذهب، وينفع بها نفسه.

ولا تجعلوا منهم ضيوفا انتم في خدمته على الدوام . بل شركاء في المسؤولية كل حسب سنه و قدرته.

إن تربية الأبناء تربيةً أميرية لا تعني أن نُحيطهم بالترف، أو نُشعرهم بأنهم فوق غيرهم، أو نُلبّي لهم كل رغباتهم؛ بل تعني أن نُربّي فيهم عزّة النفس، ونُبل الأخلاق، وقوة الشخصية، وحسن التدبير، والشعور بالمسؤولية، حتى يكبروا وهم يعرفون قدر أنفسهم، ويحترمون قدر الآخرين، ويستعدون لتحمّل أعباء الحياة والمساهمة في بناء وطنهم.

إن الأسرة التي تطمح إلى مستقبل أفضل لأبنائها لا تكتفي بتوفير المأكل والملبس والتعليم، وإنما تسعى إلى بناء الإنسان من الداخل؛ إنسانٍ يثق بنفسه دون غرور، ويعتز بهويته دون تعصّب، ويطمح إلى النجاح دون أن يدوس على حقوق غيره، ويعرف أن المكانة الحقيقية لا تُمنح بالمال أو النسب، وإنما تُكتسب بالعلم والعمل والاستقامة وخدمة الناس.

سعيد أوحديف اعلامي و فاعل حقوقي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى