اراءوطني

استوزار ليومين: من مسؤولية الاختيار إلى كلفة الإعفاء وحدود المحاسبة

قراءة دستورية وحقوقية في آثار القرار السياسي ومخاطر غياب التمحيص القبلي

ليست العبرة في واقعة تعيين وزيرة وإعفائها بعد يومين فقط بقصر المدة التي قضتها في منصبها، وإنما بما يمكن أن يترتب عن هذا القرار من آثار دستورية وبرلمانية ومالية، وبما يكشفه من إشكاليات تتعلق بجودة الاختيار السياسي، وفعالية آليات التحقق القبلي، وحدود المسؤولية عن القرارات التي تتخذ باسم الدولة وتنتج آثاراً تتجاوز أصحابها ؛ فالسرعة في تشكيل الحكومة قد تكون ضرورة سياسية، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر للتسرع في اقتراح الأسماء، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمسؤوليات عمومية تتطلب الأهلية والكفاءة والنزاهة والثقة والمصداقية.

ومن هنا تطرح واقعة إعفاء السيدة ماديحة خيير، بعد يومين من تعيينها، أسئلة مترابطة تستدعي التمييز بين المسؤولية من حيث الجانب الدستوري عن التعيين، والآثار القانونية للتنافي، وكذا الاستحقاقات المالية المحتملة، ومسؤولية من اقترح ومن قبل ومن أخفى، إن ثبت الإخفاء، مع تجنب تحويل الشبهة إلى إدانة.

أولاً: من المسؤول عن اقتراح الاسم والتحقق من أهليته؟
يحدد الفصل 47 من الدستور مسطرة تعيين أعضاء الحكومة، حيث يعين الملك أعضاءها باقتراح من رئيس الحكومة، كما يعفيهم من مهامهم وفق الشروط الدستورية المحددة ؛ ويترتب عن هذا التوزيع للاختصاصات أن المسؤولية عن اقتراح الأسماء الحكومية تقع، من حيث الأصل، على رئيسة الحكومة، باعتباره صاحب المبادرة الدستورية في تقديم المقترحات، دون أن يعني ذلك إعفاء الأحزاب السياسية والجهات التي ساهمت في إعداد لوائح الاستوزار من مسؤوليتها السياسية والأخلاقية.

أما التعيين الملكي، فهو ممارسة لاختصاص دستوري أصيل، ولا يجوز الخلط بين سلطة التعيين ومسؤولية إعداد المقترحات والتحقق من المعطيات التي بنيت عليها.

والسؤال هنا ليس من مارس اختصاصه الدستوري، بل من تحمل واجب التحقق قبل عرض الاسم للتعيين؟ وهل خضعت لائحة الترشيحات لفحص جدي يتعلق بالأهلية القانونية والسلوك المهني والتشخيص القضائي ذي الصلة، في حدود ما يسمح به القانون ويحترم قرينة البراءة والحياة الخاصة؟ أم أن اعتبارات التوازنات الحزبية وسرعة تشكيل الحكومة تقدمت على مقتضى التمحيص؟

ولا يتعلق الأمر باشتراط شهادة أخلاقية مطلقة للاستوزار، وإنما بضرورة اعتماد معايير موضوعية وشفافة تضمن ألا تفاجأ المؤسسات، بعد التعيين، بمعطيات جوهرية كان بالإمكان التحقق منها قبله.

ثانياً: هل يؤدي استوزار ليومين إلى فقدان المقعد البرلماني؟
ينص الفصل 87 من الدستور على إحالة حالات التنافي المرتبطة بالعضوية الحكومية إلى القانون التنظيمي، بينما يقرر القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب عدم جواز الجمع بين العضوية البرلمانية والعضوية الحكومية، وينظم مسطرة التصريح بشغور المقعد.

غير أن خصوصية النازلة تكمن في أن الإعفاء حصل بعد يومين فقط من التعيين ؛ فهل يكفي تحقق واقعة التعيين الحكومي لاعتبار المقعد البرلماني شاغراً، ولو زالت الصفة الحكومية قبل صدور قرار المحكمة الدستورية؟ أم أن زوال سبب التنافي قبل التصريح بالشغور يفتح المجال لاستمرار العضوية البرلمانية؟

وهل قرار المحكمة الدستورية كاشف عن شغور تحقق بقوة القانون، أم منشئ لأثر فقدان المقعد؟ وهل العبرة بتاريخ التعيين أم بالوضعية القانونية القائمة عند البت في طلب الشغور؟

إن الإجابة تقتضي الرجوع إلى النصوص والاجتهاد القضائي الدستوري ( في ذاكرتي قرار للمحكنة الدستورية صدر خلال سنة 2011، لا اتوفر على مراجعه ) ، والتحقق من الوضعية الإجرائية الفعلية للمقعد، دون افتراض أن الإعفاء يعيد العضوية تلقائياً، أو أن مجرد التعيين يحسم جميع الآثار دون استكمال المسطرة القانونية.

وهنا تبرز مفارقة تستحق التفكير: هل من المعقول أن ينتج قرار حكومي لم يستمر سوى يومين أثراً دائماً على تمثيلية انتخابية اكتسبت بالاقتراع؟

إنه سؤال يتعلق بالملاءمة التشريعية والإنصاف، دون أن يشكل قصر مدة الاستوزار، في حد ذاته، استثناءً من قاعدة قانونية آمرة.

ثالثاً: هل تتحمل الخزينة العمومية تعويضات نهاية مهام لم تستمر سوى يومين؟
لا تتوقف آثار التعيين والإعفاء عند حدود العضوية البرلمانية، بل تمتد إلى الوضعية المالية للوزيرة المعفاة ؛ فهل يترتب عن مجرد اكتساب الصفة الحكومية، ولو لمدة يومين، استحقاق تعويضات عن انتهاء المهام؟ وهل يتوقف الاستحقاق على مدة دنيا من الممارسة، أم على مجرد التعيين ثم الإعفاء؟ وهل يميز النظام القانوني بين الإعفاء بطلب من رئيس الحكومة، والاستقالة، وكذا انتهاء الولاية الحكومية؟

ينبغي هنا التمييز بين الأجرة والمستحقات المرتبطة بفترة وزمن ممارسة المهام، وبين التعويضات المحتملة عن انتهائها، مع وجوب التحقق من النصوص الخاصة التي تحكم كل استحقاق.

وهنا لا يصح الجزم بأن الخزينة العمومية ملزمة بأداء تعويض نهاية المهام دون التأكد من قيام الحق وشروطه، كما لا يجوز حرمان المعنية من حقوق مقررة قانوناً لمجرد أن مدة استوزارها كانت قصيرة ؛ غير أن المشروعية المالية ليست وحدها موضوع النقاش؛ فهناك أيضاً سؤال النجاعة العمومية وحسن استعمال الموارد العامة.

فإذا ثبت استحقاق تعويض عن إنهاء مهام لم تستمر سوى يومين، فهل يكشف ذلك عن اختلال في النظام القانوني للتعويضات، أم عن كلفة استثنائية لقرار سياسي لم يخضع للتقدير الكافي؟

وهل يجوز أن تتحمل المالية العمومية، دون مساءلة سياسية أو تدبيرية، آثار قرارات كان بالإمكان تجنبها بفحص قبلي أكثر حزما وصرامة؟

إن ربط المسؤولية بالمحاسبة لا يعني البحث عن مسؤول مالي شخصي في كل قرار غير موفق، وإنما يقتضي تحديد أسباب القرار، ومدى إمكانية توقع مخاطره، والتمييز بين الخطأ السياسي والمخالفة القانونية والضرر المالي القابل للإسناد.

رابعاً: فرضية التدليس وإخفاء المعطيات الجوهرية

تزداد النازلة تعقيداً إذا افترضنا أن التعيين تأثر بإخفاء معطيات جوهرية تتعلق بالأهلية أو الثقة والمصداقية ؛ لكن هذا الافتراض يقتضي احترازاً أساسياً: فالإعفاء لا يشكل دليلاً على التدليس، كما أن وجود معطيات قضائية أو شخصية لا يعني بالضرورة قيام مانع قانوني من الاستوزار.

وإن التمييز واجب بين عدم الإفصاح عن معطيات لا يوجد التزام قانوني بكشفها، وبين تقديم بيانات غير صحيحة أو إخفاء متعمد لوقائع جوهرية كان الإفصاح عنها واجباً ومؤثراً في القرار ؛ فإذا ثبت التدليس قانوناً، انتقل النقاش من مجرد سوء التقدير السياسي إلى مساءلة المسؤولية عن إنتاج قرار عمومي على أساس معطيات مضللة.

وهنا يطرح سؤال مزدوج: هل تتحمل المعنية وحدها مسؤولية ما أخفته، إن ثبت ذلك، أم تتحمل الجهات التي اقترحت اسمها نصيباً من المسؤولية بسبب قصور إجراءات التحقق؟

ولا ينبغي أن تتحول مسؤولية صاحب المعلومة إلى وسيلة لإعفاء صاحب القرار من واجب التحري، كما لا يجوز تحميل الجهة التي قدمت الاقتراح مسؤولية وقائع تعذر عليها قانوناً أو موضوعياً اكتشافها ؛ فالمحاسبة السليمة تقوم على الإثبات، وتحديد الواجب القانوني، وبيان العلاقة بين الإخلال والنتيجة.

خامسا: هل يشكل التنازل عن التعويض مخرجاً توافقياً؟

يمكن تصور فرضية حصول توافق بين الأطراف المعنية ينتهي بتنازل الوزيرة المعفاة عن التعويضات المحتملة المرتبطة بانتهاء مهامها، إذا كانت هذه التعويضات مستحقة ومبنية على سند مشروع ، وقابلة للتنازل قانوناً كحق يقبله !

وقد يكون هذا التنازل، إن حصل بصورة حرة ومشروعة، وسيلة لتجنب تحميل الخزينة العمومية كلفة مالية إضافية ؛ غير أن التوافق لا يجوز أن يتحول إلى بديل عن تحديد المسؤوليات.

فإذا ثبت أن التعيين تأثر بتدليس جوهري، فإن السؤال لا يعود مقتصراً على مدى استعداد المعنية للتنازل، بل يمتد إلى أثر التدليس على أصل الاستحقاق المالي، وإلى ما إذا كان القانون يجيز الحرمان من التعويض أو استرداد مبالغ صرفت دون وجه حق.

أما إذا لم يثبت التدليس، فإن التنازل يظل تصرفاً اختيارياً محكوماً بشروط صحته، ولا يجوز تحويله إلى عقوبة غير منصوص عليها ؛ فالأهم أن التنازل المالي، حتى إذا كان صحيحاً، لا يمحو تحميل المسؤولية السياسية والمؤسساتية عن اتخاذ القرار، ولا يعفي الجهات المختصة من استخلاص الدروس ؛ فالتوافق على إنهاء الآثار المالية لا ينبغي أن يتحول إلى توافق على إغلاق ملف المسؤولية.

سادسا: من تصحيح الخطأ إلى منع إنتاجه
تكشف هذه النازلة، بصرف النظر عن مآلها القانوني والمالي، عن الحاجة إلى تطوير آليات اقتراح التعيينات الحكومية ، فالحكامة الجيدة لا تقتصر على القدرة على إعفاء مسؤول بعد اكتشاف معطيات جديدة، بل تشمل القدرة على استباق المخاطر قبل اتخاذ القرار.

وهذا يقتضي إرساء مسطرة مؤسساتية للفحص القبلي، تقوم على التحقق القانوني من شروط الأهلية، والتصريح بالمعطيات الجوهرية ذات الصلة، وتقييم مخاطر تضارب المصالح، وتحديد المسؤوليات داخل مسار الاقتراح، مع حماية المعطيات الشخصية وضمان قرينة البراءة وعدم تحويل التحقق إلى أداة للإقصاء السياسي أو التعسف ؛ كما يقتضي إجراء تقييم لاحق للأثر القانوني والمالي للتعيينات التي تنتهي بصورة استثنائية، حتى لا تتحول كلفة الأخطاء القابلة للتجنب إلى عبء عادي تتحمله الخزينة العمومية.

إننا أمام اختبار لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، لا بمعناه العقابي الضيق، بل بوصفه قاعدة لتحسين القرار العمومي وضمان الثقة في المؤسسات ؛ فالقرار السياسي لا يقاس فقط بمدى مشروعية اتخاذه، وإنما أيضاً بجودة إعداده، وإمكان توقع آثاره، ومدى تناسب كلفته مع المصلحة العامة.

وإذا كان الإعفاء السريع قد يشكل تصحيحاً لقرار سابق، فإن سرعة التصحيح لا تعفي من مساءلة أسباب الخطأ الأصلي.

والخلاصة أن القضية ليست قضية وزيرة استوزرت ليومين، وإنما قضية قرار عمومي قد تنتج عنه آثار برلمانية ومالية ومؤسساتية أطول عمراً من مدته.

فمن اقترح؟ ومن تحقق؟ ومن كان ملزماً بالإفصاح؟ ومن تحمل مسؤولية التقدير؟ وهل تستحق تعويضات أصلاً؟ ومن يتحمل كلفة القرار إذا ثبت أنه تأسس على معطيات مضللة؟

إنها أسئلة لا يجوز حسمها بالشائعات أو الافتراضات الاتهامية، وإنما بالوقائع الثابتة والنصوص القانونية وآليات المحاسبة.

فالسرعة قد تفسر الخطأ، لكنها لا تبرره؛ وتصحيح القرار لا يغني عن مساءلة شروط إنتاجه ؛ لأن الغاية ليست التشهير بالأشخاص، بل حماية المؤسسات والمال العام والثقة في القرار السياسي، حتى لا تصبح الخزينة العمومية الملاذ الأخير لكلفة اختيارات لم تستوف شروط التمحيص والاقتدار.

مصطفى المنوزي
محامي وحقوقي
رئيس المركز المغربي للديمقراطية والأمن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى