اراءتربية و تعليموطني

وهم الحذف.. لماذا يستحيل إلغاء مدارس الريادة؟

بقلم: محمد تكناوي

تهب هذه الأيام موجة من التأويلات المتسرعة التي تروج لفكرة أن مشروع مدارس الريادة يعيش أيامه الأخيرة، وأن أي تغيير حكومي مرتقب سيحمل معه قرارا سياسيا بحذفها وطي صفحتها. وهي قراءة تغلب عليها الرغبة في التعبير عن موقف سياسي أكثر من استنادها إلى منطق الدولة. وكما سبق أن كتبت في هذا الموضوع منذ انطلاق التجربة، وحذرت في أكثر من مقال من مغبة التعميم المتسرع لنموذج لم تكتمل بعد شروط نجاحه، أجد اليوم أن النقاش يعود إلى نفس النقطة لكن بحدة أكبر، لأننا مقبلون على سنة الحسم، سنة التعميم الشامل.

منذ البداية، ومن خلال متابعتي الميدانية وتدويناتي حول المشروع، كنت أؤكد أن مدارس الريادة ليست مشروع وزير، بل هي الترجمة الإجرائية المباشرة لمقتضيات القانون الإطار رقم 51.17. هذا القانون الذي يعتبر العقد الوطني الملزم لكل الحكومات نص على الإنصاف والجودة والارتقاء بالنموذج البيداغوجي. وعندما شخصت التقييمات أزمة التعلمات الأساس، كان الجواب هو TaRL والتعليم الصريح. ولهذا فالريادة تندرج في إطار تنزيل خارطة الطريق 2022-2026 من أجل مدرسة عمومية ذات جودة وفقا للقانون الإطار وتوصيات النموذج التنموي. وهذا ما يجعل فكرة الحذف وهما قانونيا، فلا أحد يملك صلاحية إلغاء قانون إطار، بل فقط تأويله وتجويد تنزيله.

وكنت قد نبهت في مقالات سابقة إلى أن الخطر ليس في البيداغوجيا نفسها، بل في منطق التعميم المحاسباتي. وها هي الأرقام الرسمية اليوم تؤكد هذا التخوف وتكذب في نفس الوقت وهم الإنهاء. مشروع ميزانية 2026 يتحدث عن توسيع الريادة لتشمل 6.626 مدرسة ابتدائية و1.286 إعدادية خلال 2026-2027 في أفق التعميم الكلي، والمقرر الوزاري يؤكد إضافة 2008 مؤسسات جديدة ليصل العدد إلى 4634 ابتدائية و786 إعدادية، ليبلغ الإجمالي 6753 مؤسسة بزيادة 2125 مدرسة وتأطير 105 آلاف أستاذ وأزيد من مليوني تلميذ، مع تأهيل أزيد من 9000 مؤسسة منها 4628 ضمن الريادة. كنا نبهنا أن القفز من بضع مئات إلى آلاف المؤسسات دون توفير العدة الكاملة من كراسات وتجهيز وتكوين حقيقي هو مجازفة بيداغوجية، وهو ما عاشه الأساتذة ميدانيا من ضغط وتأخر في الوسائل، لكن هذا النقد لا يعني أبدا المطالبة بالحذف.

لذلك فإن النقاش اليوم يجب أن ينتقل من سؤال هل تستمر الريادة، وهو سؤال محسوم قانونيا وماليا، إلى سؤال كيف تستمر. وهو السؤال الذي طرحته سابقا ودعوت فيه إلى تقويم بدل تقويض. تقويم الحكامة أولا، لأن القانون 51.17 كرس الجهوية لكن التنزيل أعاد المركزية في تدبير الموارد، ولا يمكن تعميم 80% من المدارس بمنطق مركزي. وتقويم الجودة ثانيا، لأن التعميم يجب أن يكون مشروطا بجاهزية المؤسسة لا برقم في جدول ميزانية. وتقويم العلاقة مع المدرس ثالثا، لأن الأستاذ الذي اعتبرناه حجر الزاوية لا يمكن أن يبقى مجرد منفذ لتعليمات فوقية تحت ضغط التقييمات.

لقد كتبت سابقا أن تعميم التجربة قبل تقويمها هو تعميم للتعثر لا للريادة. واليوم ونحن على أبواب سنة التعميم، أعيد نفس التحذير بصيغة أوضح: مدارس الريادة لن تنتهي بقرار سياسي لأنها بدأت بقانون دولة و وبميزانية مرصودة، لكن ما سينتهي حتما هو وهم أن التعميم هو مجرد تعليق لافتة جديدة على باب المدرسة، ووهم أكبر هو الاعتقاد بإمكانية حذفها بجرة قلم. التعميم الحقيقي هو تعميم الأثر في القسم، لا تعميم الرقم في التقارير ولا حذفه في التصريحات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى