اراء

كلام بلا زواق: أيتها الأم أيها الأب.. تربية الأبناء مسؤولية تتجاوز جدران البيت

(كلام بلا زواق ): أيتها الأم أيها الأب.. تربية الأبناء مسؤولية تتجاوز جدران البيت

لسنا نربي أبناءنا لأنفسنا وحدنا، بل نُعِدّ بهم ملامح الغد.
حين ننجب أبناءً، فإننا لا نستقبل أفراداً جددًا داخل الأسرة فحسب ونختار لهم اسماء مملكات على غير المسميات ، بل نتحمل مسؤولية الإسهام في إعداد جيل سيحمل غداً مسؤوليات المجتمع، ويشارك في صناعة مؤسساته، وتدبير شؤونه، وتحديد ملامح مستقبله.
إن أبناءنا ليسوا امتداداً لأحلامنا الشخصية التي فشلنا في تحقيقها ، ولا مشاريع لتحقيق طموحاتنا المؤجلة على حساب حياتهم ، ولا نسخاً ينبغي أن تستنسخ اختياراتنا وتجاربنا لانهم خلقوا لجيل غير جيلنا. إنهم شخصيات مستقلة، لها عقولها وميولها وحقوقها، ومن حقها أن تنمو وتختار وتخطئ وتتعلم وتشق طريقها بثقة ومسؤوليةولا دير في توجيههم و تشجيعهم.
من هنا، ينبغي أن نعيد النظر في مفهوم التربية ذاتها بصيغة تقليدية كسياقة من مكان محدد الى مكان محدد . فليس النجاح أن نربي أبناءً يحسنون الاستجابة لأوامرنا ، أو يتفوقون دراسياً، أو يحصلون على اعلى المعدلات و الشهادات العليا والمواقع الاجتماعية فحسب؛ بل أن نربي إنساناً يمتلك ضميراً حياً يقظا ، وعقلاً مستقلاً، وسلوكاً مستقيماً، وقدرة على تحمل المسؤولية.
إننا نهيئ رجال الغد ونساءه، وأطباءه ومهندسيه ومعلميه ومفكريه ومسؤوليه ومواطنيه. ولذلك، لا ينبغي أن ننشغل بالمهن التي سيزاولونها بقدر انشغالنا بالإنسان الذي سيكونونه أثناء ممارستها.
فما قيمة طبيب لا تسكن الرحمة قلبه؟ وما جدوى مهندس لا تحكم الأمانة عمله؟ وما قيمة شهادة علمية لا تسندها ثقافة المسؤولية؟ وما جدوى موقع اجتماعي أو إداري إذا افتقد صاحبه احترام الإنسان والحق والقانون؟
إن المجتمع لا يحتاج إلى كفاءات مهنية فقط، بل إلى كفاءات إنسانية وأخلاقية أيضاً.
والبيت هو المدرسة الأولى التي تتشكل فيها هذه المعاني. ففيه يتعلم الطفل الصدق قبل أن يقرأ عنه، والاحترام قبل أن يُطالب به، والانضباط قبل أن يفرض عليه، والحوار قبل أن يمارسه في الفضاء العام.
فالقدوة أبلغ من الموعظة، والممارسة أصدق من الخطاب، وما يراه الطفل في سلوك والديه يترك في وجدانه أثراً قد يفوق عشرات الدروس والنصائح.
ومن ثم، فإن التربية لا تعني الإفراط في الحماية، ولا مصادرة الاختيار، ولا صناعة شخصية خائفة من الخطأ؛ بل تعني منح الأبناء الثقة دون تدليل، والحرية دون انفلات، والاستقلالية دون تنصل من المسؤولية، والحزم دون قسوة.
كما تعني إعدادهم لمواجهة عالم لا يمكن التنبؤ بكل تحولاته؛ عالم تتغير فيه المهن، وتتسارع فيه التكنولوجيا، وتتبدل فيه أنماط العيش والعمل والتواصل. ولذلك، لم يعد كافياً أن نعلم أبناءنا ما يعرفه العالم اليوم، بل ينبغي أن نعلمهم كيف يفكرون، وكيف يتعلمون، وكيف يتكيفون، وكيف يواجهون ما لم يستعدوا له بعد.
إن تربية الأبناء على التفكير النقدي، والمرونة، والثقة بالنفس، والقدرة على اتخاذ القرار، وتقبل الاختلاف، والتعلم المستمر، أصبحت ضرورة لا ترفاً تربوياً.
وعندما ننجح في بناء إنسان يحترم ذاته والآخرين، ويتقن عمله، ويؤمن بقيمة الوقت، ويرفض الظلم، ويحترم القانون، ويشعر بأن له دوراً في الحياة المشتركة، فإننا لا نكون قد خدمنا أسرنا وحدها، بل أسهمنا في بناء مجتمع أكثر عدلاً، ومؤسسات أكثر كفاءة، ووطن أكثر قدرة على مواجهة تحديات الحاضر واستحقاقات المستقبل.
ولا يعني ذلك أن الأسرة تتحمل وحدها مسؤولية صناعة هذا المستقبل؛ فالتربية مسؤولية مشتركة تتقاسمها الأسرة والمدرسة والمؤسسات والمجتمع. لكنها تظل مسؤولية تأسيسية، لأن ما يُغرس في البيت يرافق الإنسان إلى المدرسة، وإلى العمل، وإلى الشارع، وإلى كل موقع يتولى فيه مسؤولية أو يمارس فيه حقاً.
ولعل السؤال الأهم الذي ينبغي أن تطرحه كل أسرة على نفسها ليس ؛
ماذا نريد لأبنائنا أن يصبحوا؟ بل؛ أيّ نوع من البشر نريد أن يكونوا؟
هل نريد أبناءً يعرفون كيف ينجحون فقط، أم نريدهم أن يعرفوا كيف يكون نجاحهم نافعاً للآخرين؟ هل نريدهم أن يبلغوا المواقع، أم أن يكونوا جديرين بها؟ هل نريد لهم أن يمتلكوا المعرفة، أم أن يحسنوا توظيفها في خدمة الإنسان؟
إننا لا نربي أبناءنا ليعيشوا داخل حدود البيت، بل نهيئهم لمغادرته والانخراط في عالم أوسع، حيث تصبح القيم التي اكتسبوها اختبارات يومية، وتتحول المبادئ التي تعلموها إلى مواقف وقرارات وسلوكيات.
فالأسرة التي تحسن بناء الإنسان لا تربي جيلاً لنفسها وحدها، بل تمنح المجتمع رصيداً من القيم والكفاءات، وتمنح الوطن فرصة أفضل للمستقبل.
ولعل أعظم ما يمكن أن نتركه لأبنائنا ليس المال ولا الممتلكات ولا المكانة الاجتماعية، بل شخصية مستقلة، وضميراً يقظاً، وعقلاً متفتحاً، وقلباً لا يفقد إنسانيته مهما تغيرت الظروف.

سعد أوحديف
اعلامي وفاعل حقوقي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى