
وجّه النقيب عبد الرحيم الجامعي، رسالة شديدة اللهجة إلى رئيس الحكومة ومكوناتها، خصصها بالأساس لمشروع قانون تنظيم مهنة المحاماة، وما يعتبره من تداعيات على استقلال المهنة والقضاء وحقوق المتقاضين، داعيا في ختامها إلى تنظيم “محاكمة وطنية للحكومة ومكوناتها” لكشف ما وصفه بـ”الجرائم السياسية” المرتكبة في حق المحاماة والعدالة والوطن.
واستهل الجامعي رسالته الموقعة بتاريخ 19 شتنبر 2026، بالقول إن “القوانين الرائدة لا يصنعها إلا السياسيون الرواد”، وإن “القوانين الفاسدة هي بصمات أيادي السياسيين الفاسدين”، قبل أن يضيف أن قانون المحاماة “خلقته حكومة المغرب الفاسدة”، معتبرا أن تفاصيل هذه القضية ومسؤولياتها السياسية معروفة لدى رئيس الحكومة وأعضاء حكومته.
وانتقل النقيب إلى انتقاد السياق السياسي الذي رافق الحملة الانتخابية للأحزاب المشكلة للحكومة، معتبرا أن مكونات الأغلبية دخلت، خلال هذه الفترة، في مواجهة فيما بينها، وأن خطاباتها وحملاتها كشفت، حسب تعبيره، عن جوانب من الخلافات والاتهامات التي لم تكن تظهر بالحدة نفسها خلال فترة الولاية الحكومية.
وقال الجامعي إن الأحزاب المشكلة للحكومة، وهي تتنافس خلال الحملة الانتخابية على المقاعد، “حملت خناجرها لتمزق بها بطون بعضكم البعض حتى تلقي ما بها من غنائم”، مضيفا أن هذه الحملات، من وجهة نظره، كشفت ما جادت به خزينة الدولة وما وصفه بـ”سخاء إثرائها” على المسؤولين.
وفي معرض حديثه عن حصيلة الحكومة، وجّه الجامعي انتقادات حادة لرئيسها، متهما إياه وحكومته بتدبير أفضى، حسب تقديره، إلى “تخريب المغرب” والإضرار بمصيره السياسي والاقتصادي، وتراكم الديون والقروض، كما انتقد ما وصفه بتفاقم مظاهر الإثراء غير المشروع، وسياسات الحكومة تجاه الشباب، وتعيين الموالين في مناصب والاستفادة من المنافع والمكاسب.
كما اتهم الجامعي الحكومة، في رسالته، بالتخلي عن تجريم الإثراء غير المشروع، معتبرا أن المسؤولين الحكوميين كانوا يخشون إقرار قانون قد تترتب عنه مسؤوليات في حقهم، وهي اتهامات أوردها النقيب في إطار انتقاده السياسي للحكومة وتدبيرها.
وبخصوص الحملة الانتخابية، اعتبر الجامعي أن الخطاب الصادر عن مكونات الحكومة خلال هذه المرحلة كشف، حسب رأيه، عن حقائق ظلت مكتومة، وقال إن الحملة الانتخابية لرئيس الحكومة وبعض وزرائه اتسمت، وفق توصيفه، بـ”السخافة” و”الرداءة”، معتبرا أن المغاربة، بحسب تعبيره، لم يفاجؤوا بذلك.
– قانون المحاماة في صلب انتقادات الجامعي
وخصص النقيب الجزء الأكبر من رسالته لمشروع قانون المحاماة، معتبرا أن إخراجه تم في سياق سياسي وصفه بـ”الفاسد”، وأن اختيارات الحكومة انعكست على النص الذي ينظم مهنة المحاماة.
وقال الجامعي: “فجرت قريحتكم مشروع قانون المحاماة، وتكالبت سياستكم على مصيرها ومستقبلها وعلى رسالتها وطبيعتها وعلى مصالح العدالة والمتقاضين بالتأكيد”، معتبرا أن الحكومة قررت إخراج قانون “على ذوقها السياسي”.
وأضاف أن قانون المحاماة لم يسلم، حسب تقديره، من “مساوئ ومخاطر” الاختيارات الحكومية، قبل أن يخاطب رئيس الحكومة ومكونات أغلبيته بالقول: “في مطبخ سخافة سياستكم وتحالفكم صنعتم قانون المحاماة 23.03″، مؤكدا أن “الفاسدين لا يمكنهم عرض قوانين صالحة ولا الادعاء بإصلاح المحاماة”.
ويرى الجامعي أن مشروع القانون صُمم، حسب تعبيره، بما يفضي إلى “تحطيم مسار القضاء” و”الانتقام من المحامين”، والاعتداء على قواعد مهنة قال إنها تمتد لأكثر من قرن، فضلا عن “نزع سلاح قانوني مشروع من المتقاضين أثناء التقاضي وهو سلاح الدفاع”.
كما اعتبر أن المشروع من شأنه أن يعكر العلاقة بين القضاء والمحاماة، بعدما كان يفترض، حسب رؤيته، أن يعزز التعاون بين الطرفين لخدمة العدالة، وأن يحافظ على هيئات المحامين قوية في استقلالها وفعالة في وسائل عملها، وقادرة على الاضطلاع بأدوارها في التكوين والتنظيم والتأديب والمراقبة.
– اتهامات بشأن المسار التشريعي
وفي جانب آخر من رسالته، وجّه الجامعي انتقادات إلى الطريقة التي مر بها مشروع القانون داخل المؤسسة التشريعية، متحدثا عن “عملية احتيال” تعرض لها المشروع، وعن دور لرئيس مجلس النواب في ما وصفه بـ”نسف” مسار المراقبة القبلية من طرف المحكمة الدستورية.
واعتبر أن ما جرى يشكل، من وجهة نظره، “جرما سياسيا في حق المحاماة وفي حق القضاء وفي حق المتقاضين وفي حق المغرب”، محملا الحكومة مسؤولية ما اعتبره آثارا سلبية على سير العدالة.
وقال إن الحكومة، حسب تقديره، أصبحت “العنوان الحقيقي للأزمة التي يعرفها قطاع المحاماة والعدالة”، متهما إياها بصياغة نص قانوني “بنية تحطيم مسار القضاء”، وبمحاولة إضعاف المحامين وقواعد مهنتهم، وما وصفه بـ”الاعتداء” على استقلالية المهنة.
كما اعتبر الجامعي أن الحكومة “تآمرت على القضاء” لجعله، وفق تعبيره، خصما للمحامين، بدل تعزيز العلاقة بين القضاء وهيئات الدفاع، مؤكدا أن استقلال المحاماة يظل، من وجهة نظره، جزءا أساسيا من ضمان المحاكمة العادلة وحقوق المتقاضين.
– اتهام للحكومة بربط قانون المحاماة بالتطبيع
وذهب الجامعي في رسالته إلى أبعد من الانتقادات المتعلقة بمضامين المشروع ومساره التشريعي، إذ اتهم الحكومة بالسعي إلى استخدام قانون المحاماة لاختراق المهنة وربطها بما وصفه بـ”التطبيع” مع إسرائيل.
وقال مخاطبا رئيس الحكومة وأعضاءها: “اليوم عليكم أن تعترفوا بأنكم لعبتم دورا حقيرا ضد المحاماة”، مضيفا أن الحكومة تريد، حسب تعبيره، “تسخيرها قنطرة لاختراق صفوفها بالتطبيع مع الكيان الصهيوني، وتوظيفها لصهينة المحاماة وصهينة صفوف المحامين”.
وربط الجامعي هذا الاتهام بما وصفه بتوسيع صلاحيات وزير العدل على حساب صلاحيات هيئات المحامين، مشيرا إلى استقبال وزير العدل المغربي لوزير العدل الإسرائيلي جدعون ساعر في يوليوز 2022، وهو المعطى الذي أورده في سياق انتقاده لما يعتبره سياسة تطبيعية في قطاع العدالة.
– دعوة إلى التحقيق وتنظيم “محاكمة وطنية”
وفي الجزء الأخير من رسالته، قال الجامعي إن “المحاميات والمحامين ومعهم كل المغاربة” يشهدون، حسب تعبيره، “مؤامرة حكومية سياسية” ضد المحاماة باعتبارها “قلعة الحرية والدفاع”.
وطالب بأن تتم مساءلة الحكومة عن سياستها “قبل وبعد رحيلها”، وعن ما وصفه بـ”سوء تشريعها” في مجال المحاماة، داعيا المؤسسات المعنية بالسياسة الجنائية إلى ترتيب ما لديها من ملفات ووثائق وشهادات واعترافات وتسجيلات، وفتح التحقيقات التي يعتبرها ضرورية، بما قد يساهم، حسب تعبيره، في منع الإفلات من المسؤولية والعقاب.
وختم الجامعي رسالته باقتراح مباشر على جمعية هيئات المحامين والهيئات المهنية، قائلا: “أرجو من جمعيتنا ومن هيئاتنا تنظيم محاكمة وطنية للحكومة ومكوناتها”، موضحا أن الغاية من هذه المبادرة هي “كشف ما ارتكبته من جرائم سياسية في حق المحاماة وفي حق العدالة والوطن”.
وأضاف: “لكي لا تمروا في غفلة من التاريخ”، قبل أن يختم رسالته بعبارة: “فالتاريخ لا ينسى”.



