المنارةجليزمراكش

إسكافي لوكيل لائحة “البيجيدي” بدائرة المنارة: “قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق”

لم يكن الإسكافي البسيط محمد معزوز بحاجة إلى من يشرح له معنى شعارات من قبيل الانتصار للمظلومين ومحاربة الفساد والدفاع عن البسطاء، فقد عاش، بحسب روايته، تجربة يقول إنها تكشف له الفارق بين الشعارات الانتخابية والواقع الذي وجد نفسه فيه.

فالرجل المسن الذي كان يكسب قوت يومه من إصلاح الأحذية، داخل مساحة لا تتجاوز مترا مربعا أمام سوق “الخرازين” بالمدينة العتيقة لمراكش، وجد نفسه بلا مورد رزق بعد قرار جماعي يقضي بإلغاء الرخصة التي كان يتوفر عليها منذ سنة 2008.

واللافت في قصة الإسكافي أن القرار حمل توقيع محمد توفلة، النائب السابع لرئيس المجلس الجماعي لمراكش والمنتمي إلى حزب العدالة والتنمية، وهو الاسم نفسه الذي يخوض اليوم غمار الانتخابات التشريعية بدائرة المنارة وكيلا للائحة حزب “المصباح”.

وبينما يطوف توفلة وعمدة مراكش خلال الحملة الانتخابية على الأحياء والأزقة، ويطرقون أبواب البسطاء بحثا عن أصواتهم، يجد محمد معزوز نفسه أمام مفارقة مؤلمة: الرجل الذي فقد مصدر رزقه بقرار وقعه منتخب ينتمي إلى حزب ينطلق في رؤيته السياسية من المرجعية الإسلامية ويرفع شعارات الدفاع عن البسطاء والمظلومين، و لا يزال ينتظر منذ سنوات نهاية معركته القضائية.

– متر واحد كان مصدر رزقه.

يقول الإسكافي إن ذلك المتر الواحد لم يكن بالنسبة إليه احتلالا للملك العام ولا امتيازا يبحث عن الاستفادة منه، وإنما كان بالنسبة لرجل بسيط مثله مساحة صغيرة يعيش منها ويعيل أسرته.

وبحسب المعطيات المتوفرة لجريدة “الخبر المراكشي”، كان المجلس الجماعي قد رخص له سنة 2008 باستغلال متر مربع من الملك الجماعي بواسطة صندوق صغير قابل للتنقل، لمزاولة مهنة “الخرازة وإصلاح الأحذية”.

وظل الرجل يمارس حرفته في المكان نفسه لنحو 14 عاما، وقبلها بسنوات قبل حصوله على الرخصة، قبل أن يتم إلغاؤها بناء على شكاية تقدمت بها صاحبة محل تجاري مجاور.

لكن الإسكافي لم يستسلم، حيث رد على الشكاية بمراسلة وجهها الى عمدة مراكش مرفقة بتوقيعات لنحو 15 تاجرا بسوق الخرازين يؤكدون فيها أنه لم يلحق أي ضرر لا بمحل المشتكية التي كانت سببا في الغاء قرار رخصة شغله للملك العام، ولا بغيره من المحلات الأخرى، ولم يسبب أي مضايقة تستوجب الغاء قرار الإستغلال.

– من 30 درهما في اليوم إلى ردهات المحاكم:

لم يكن الرجل يجني من مهنته سوى مبالغ محدودة، لا تتجاوز في أحسن الأحوال، وفق المعطيات المتوفرة، 30 درهما في اليوم يصرفه على أسرته، غير أنه بعد إلغاء الرخصة يوم 8 غشت 2022، بقرار وقعه توفلة بتفويض من رئيسة المجلس الجماعي، وجد نفسه مضطرا إلى اللجوء للقضاء، في مسار استمر لنحو أربع سنوات، تحمّل خلالها مشقة التنقل ومصاريف التقاضي، قبل أن يتكفل بعض المحسنين بمساعدته في مصاريف المحامي والملف.

وحصل الإسكافي على حكم لفائدته في المرحلة الابتدائية، قبل أن يستمر النزاع أمام محكمة الاستئناف، حيث جاء الحكم بدوره لفائدته، غير أن المجلس الجماعي طعن بالنقض، ليظل الملف معروضا أمام محكمة النقض في انتظار البت فيه.

– شعارات انتخابية في مواجهة قصة رجل بسيط:

اليوم، لا يتحدث الإسكافي عن السياسة بقدر ما تتحدث قصته عنها، ففي الوقت الذي يخوض فيه محمد توفلا حملته الانتخابية بدائرة المنارة، ويقدم نفسه للناخبين ضمن خطاب سياسي يستند إلى المرجعية الإسلامية وشعارات الدفاع عن المظلومين ومحاربة الفساد، يحمل محمد معزوز قصته معه، قصة رجل يقول إن مورد رزقه قُطع بقرار وقعه المنتخب نفسه بصفته نائبا لرئيسة المجلس الجماعي، التي سبق للجمعية المغربية لحقوق الانسان أن ناشدتها من أجل إلغاء القرار القاضي بقطع مورد عيش الاسكافي وايجاد بديل يحفظ مصدرا لعيش رجل طاعن في السن وينقذ أسرته من التشرد، دون أن يتم التفاعل مع مطلب الحقوقيين.

وهنا تبدو المفارقة التي تختصرها عبارة الإسكافي: “قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق”.

فالرجل لا يطالب بمقعد انتخابي ولا بمنصب سياسي، ولا يطلب امتيازا خاصا، كل ما كان يملكه هو صندوق صغير ومساحة متر مربع ورخصة لمزاولة حرفة بسيطة.

وبعد سنوات من النزاع، لا يزال ينتظر أن يعرف ما إذا كان سيستعيد حقه في ممارسة مهنته، بينما يرى أمامه شعارات انتخابية تتحدث عن الكرامة والإنصاف والانتصار للمستضعفين.

وتبقى قصة محمد معزوز، في انتظار الحسم القضائي النهائي، واحدة من القصص التي تضع الشعارات الانتخابية أمام اختبار الواقع: هل يكفي أن ترفع الأحزاب شعارات الدفاع عن البسطاء، أم أن قيمة هذه الشعارات تقاس أيضا بما يعيشه هؤلاء البسطاء عندما يواجهون قرارات المؤسسات التي يدبرها المنتخبون؟

ويقول محمد معزوز إنه لا يبحث عن امتياز ولا عن معاملة خاصة، وإنما عن مورد رزق عاش منه لسنوات رغم هزالته، قبل أن يجد نفسه أمام قرار أنهى مصدر عيشه، فيما لا يزال مساره القضائي مفتوحا منذ سنوات، وبين ما يقوله الإسكافي وما ترد به الجهات المعنية، تبقى الكلمة الأخيرة للقضاء، وللتاريخ أيضا.

وفي النهاية، تبقى عبارة واحدة تختصر كل هذا الجدل: “وعند الله تلتقي الخصوم”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى