
بقلم: محمد تكناوي
إن التسليم بأن الرأسمال البشري هو أساس كل إصلاح إداري أصبح اليوم من البديهيات التي لا يناقشها أحد. فلا يمكن لأي إدارة أن تتطور وتستجيب لانتظارات المرتفقين ببنايات جديدة وحواسيب متطورة فقط، بل بإنسان مؤهل ومحفز يشعر بقيمته داخل المنظومة.
غير أن المفارقة المؤلمة في واقعنا الإداري المغربي هي أننا نجيد تشخيص الداء في التقارير والخطب الرسمية، لكننا نفشل في تنزيل الدواء الحقيقي على أرض الواقع. فنجد أنفسنا أمام إدارة تعيش بين مطرقتين: مطرقة مواطن أصبح أكثر وعياً وسرعة ويطالب بخدمة رقمية وشفافة وآنية، ومطرقة تدبير تقليدي للموارد البشرية لا يزال سجين منطق الأرشيف وحفظ الملفات والمساطر الورقية. والحق أن الوظيفة العمومية عرفت في السنوات الأخيرة سيلاً من الإصلاحات، لكنها ظلت في عمومها إصلاحات فوقية لم تلامس عمق المشكل، لأنها لم تجب على سؤال العدالة والإنصاف.
فكيف يمكن أن نطلب المردودية والانخراط من موظف يشعر بالحيف، حين يرى أن زميلاً له بنفس الشهادة ونفس المهام في قطاع آخر يتمتع بأجور وتعويضات وامتيازات مضاعفة؟ إن هذا التفاوت الصارخ بين القطاعات هو الذي يغذي الإحباط ويقتل روح المبادرة ويدفع بالكفاءات الشابة إلى الهجرة نحو القطاع الخاص أو خارج الوطن، كما أنه يخلق بيئة خصبة لاستمرار بعض المظاهر السلبية التي نريد القطع معها. لذلك فإن المدخل الأول لأي إصلاح حقيقي يمر حتماً عبر إعادة النظر في منظومة التكوين المستمر.
فالتكوين بصيغته الحالية لا يعدو أن يكون إجراءً شكلياً وموسمياً لسد الفراغ، بينما ما نحتاجه اليوم هو تكوين مبني على الحاجيات الفعلية للإدارة، تكوين يدمج المهارات الجديدة التي فرضها العصر كالرقمنة والذكاء الاصطناعي وتدبير المشاريع والتواصل واللغات، والأهم من ذلك ربط هذا التكوين مباشرة بالمسار المهني للموظف، بحيث تصبح كل دورة تكوينية ناجحة خطوة حقيقية نحو الترقية والتحفيز، لا مجرد شهادة توضع في الملف.
وهذا يقودنا مباشرة إلى المدخل الثاني وهو ضرورة المرور من منطق تدبير الملفات إلى منطق تدبير الكفاءات والمواهب، بمعنى أن تتحول مصلحة الموظفين من مجرد مكتب إداري يحفظ القرارات إلى خلية ذكية مهمتها اكتشاف الطاقات وصقلها، وهذا لن يتأتى إلا بالقطع النهائي مع منطق الولاء والزبونية واعتماد الكفاءة والاستحقاق معياراً وحيداً لتولي مناصب المسؤولية عبر مباريات شفافة ونزيهة، كما يستدعي تجاوز نظام التنقيط السنوي الروتيني الذي يمنح للجميع علامة عشرين على عشرين بشكل مجامل، إلى نظام تقييم عادل مبني على الأهداف والمبادرة والمردودية، مع عدم إغفال جانب مهم أهملناه طويلاً وهو التحفيز بكل أشكاله، فليس كل الموظفين تحفزهم الترقية المادية فقط، فهناك من تحفزه كلمة شكر وتقدير، أو تكليفه بمهمة نوعية، أو منحه بعض المرونة في العمل، بل وحتى الاهتمام بصحته النفسية وحمايته من ضغط الاحتراق الوظيفي الذي أصبح مرضاً صامتاً داخل إداراتنا.
وأخيراً فإن كل هذا لن يكتمل دون مدخل ثالث وهو الانفتاح والتواصل، فالإدارة المنغلقة على نفسها محكوم عليها بالفشل، والتواصل هنا يجب أن يكون بواجهتين، واجهة داخلية ترسخ ثقافة الفريق الواحد بدل ثقافة الرئيس والمرؤوس وتشجع الموظف على إبداء رأيه واقتراح أفكاره دون خوف، وواجهة خارجية تنظر إلى الشريك النقابي كشريك في الإصلاح لا كخصم، وتستثمر التحول الرقمي ليس فقط لرقمنة خدمات المواطن، بل لرقمنة المسار المهني للموظف نفسه عبر بوابة شفافة يتتبع فيها كل شيء بوضوح، من وضعيته الإدارية إلى طلباته وتكويناته، مما يقطع الطريق نهائياً على كل أشكال الوساطة والمحسوبية.
خلاصة القول: لقد أصلحنا الكثير من النصوص، لكن الرهان الحقيقي اليوم هو إصلاح العقول والعقليات. فالإدارة لن تكون أبداً قاطرة للتنمية إلا بموظف مصانة كرامته ومحفز ومؤمن بأن كفاءته وحدها هي التي تحدد مصيره.



