
تُعد المدينة العتيقة بمراكش أحد أبرز المعالم التاريخية والثقافية بالمغرب، كما تشكل ركيزة أساسية للاقتصاد السياحي الوطني، ولا يختلف اثنان حول ضرورة الحفاظ على هويتها المعمارية التي أكسبتها مكانتها العالمية، غير أن هذا الهدف لا ينبغي أن يحول دون فتح نقاش جاد حول بعض ضوابط التعمير التي أضحت، في نظر العديد من المهنيين والفاعلين، بحاجة إلى مراجعة تواكب الواقع.
ففي عدد من أحياء المدينة العتيقة، تقتصر التراخيص على بناء طابق أرضي وطابق أول (R+1)، مع فرض قيود على استغلال الأسطح، غير أن المتجول بين أزقة المدينة يلاحظ وجود عدد كبير من المنازل والرياضات التي تضم طابقا ثانيا، سواء كانت قديمة أو حديثة، وهو ما يثير تساؤلات مشروعة حول مدى فعالية هذه الضوابط، وحول ما إذا كانت تحقق الغاية المرجوة منها أم أنها أصبحت تخلق تفاوتا بين من يلتزم بالقانون ومن يستفيد من مخالفات لا يتم التصدي لها بالقدر الكافي.
وتزداد أهمية هذا النقاش في ظل الارتفاع غير المسبوق لأسعار العقارات داخل المدينة العتيقة، حيث تجاوز ثمن المتر المربع في بعض المناطق 30 ألف درهم. وفي ظل هذه الأسعار، يصبح استغلال المساحة المتاحة عاملاً حاسماً في تحقيق الجدوى الاقتصادية، خاصة بالنسبة لأصحاب الرياضات ودور الضيافة والمشاريع السياحية التي تساهم في خلق فرص الشغل وتنشيط الاقتصاد المحلي.
وقد استحسن مستثمرون القرار الذي سمح بإنجاز الأقبية (الطوابق التحت أرضية) في عدد من المشاريع، باعتباره مثالا على إمكانية التوفيق بين متطلبات الحفاظ على الطابع المعماري وبين توفير حلول عملية لاستغلال العقار دون التأثير على المشهد العام للمدينة.
ومن هذا المنطلق، يبدو من المناسب أن تبادر وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، والوكالة الحضرية لمراكش، ومختلف المتدخلين، إلى إطلاق ورش لتقييم ضوابط التعمير الخاصة بالمدينة العتيقة، ودراسة إمكانية مراجعة بعضها وفق معايير دقيقة تضمن الحفاظ على التراث، وتحقق في الوقت نفسه العدالة بين جميع المستثمرين والملاك.
فالقانون يحقق أهدافه عندما يكون واضحا، قابلا للتطبيق، ويُطبق على الجميع دون استثناء. أما إذا أصبحت بعض المقتضيات – وفق مستثمرين – محل نقاش بسبب صعوبة الالتزام بها أو بسبب وجود تفاوت في تطبيقها، فإن مراجعتها في إطار القانون والمؤسسات قد تكون أكثر نجاعة من استمرار وضع يفتح المجال للتأويل ويؤثر على جاذبية الاستثمار.
ويرى عدد من المهنيين والفاعلين في قطاع العقار والسياحة أن الوضع بات يفرض على المحافظة العقارية التحرك من أجل معالجة وتسوية الوضعية القانونية للطوابق الإضافية المشيدة في عدد من العقارات، وفق مقاربة قانونية وتنظيمية واضحة، بما يضمن استقرار المعاملات العقارية ويحد من الإشكالات المرتبطة بالرسم العقاري، مع احترام ضوابط التعمير والحفاظ على القيمة التاريخية للمدينة العتيقة.
ويؤكد مهتمون بالشأن العمراني أن حماية المدينة العتيقة، باعتبارها تراثا وطنيا وإنسانيا، لا تتعارض مع مراجعة بعض النصوص التنظيمية كلما أفرز الواقع العملي إشكالات تستوجب المعالجة، بما يحقق التوازن بين صون الهوية المعمارية، وترسيخ الأمن العقاري، وتشجيع الاستثمار المسؤول والتنمية المستدامة.



