تربية و تعليممراكش

تكناوي يكتب: سيكولوجيا المدرس.. حين تتحول المدرسة من حب إلى قدر

بقلم: محمد تكناوي
إن فهم المدرس يقتضي الغوص في سيكولوجيا كائن قضى حياته كلها داخل المدرسة. دخلها طفلاً في السادسة من عمره، وسيغادرها متقاعداً بعد ثلاثة و ستين . تربى بين جدرانها تلميذاً ومراهقاً، ثم عاد إليها شاباً ليعقد قرانه المهني معها في ربيع عمره. تشربت نفسه من عاداتها ومعارفها وطقوسها، حتى صار يختلف في تفكيره وسلوكه عن كل من غادرها مبكراً.

أحبها في البداية حب المالك المتيم ، لكن هذا الحب تحول مع مرور السنوات، بفعل الرتابة والرقابة الإدارية اليومية، إلى مجرد واجب روتيني. يتحول المدير والمفتش في مخياله، عن وعي أو غير وعي، إلى حراس لنظام زمني صارم، مهمتهم مراقبة حضوره عن قرب أو عن بعد.

وبفعل الزمن والفعل الارتكاسي، يتحول المدرس نفسه إلى حارس آخر. حارس لقسم آهل بالتلاميذ. يصبح الرهان هو الضبط والحضور، أكثر منه التعلم الفعال، وتتحول العملية التربوية إلى لعبة لملء الزمن المدرسي.

وينسى كثيرون أن المدرس كائن إنساني يمر بدورات نفسية طبيعية. هناك فترات فتور فكري وتوتر عصبي وإرهاق وجداني، هي جزء من طبيعة أي عمل إنساني طويل المدى. قد يمر منها بسلام ليعود إلى عطائه وصفائه، لكنها إذا أهملت تتراكم.

وعندما تدب الشيخوخة المهنية بظلالها، ومع اقتراب التقاعد، يدخل المدرس مرحلة دقيقة. مرحلة القلق على المصير، والخوف من فقدان السلطة الرمزية التي شكلتها أدواته لعقود: التنقيط، والعقاب، والتلقين، والتوجيه. فالتقاعد سينزع عنه كل تلك الدروع الدفاعية، ليجده في مواجهة مباشرة مع الذات، مع سؤال الجدوى، ومع شبح الشيخوخة الذي ظل يراوغه لسنوات.

المدرس إنسان قضى معظم وقته بين أطفال صغار، حاول جاهداً أن يقترب من عالمهم رغم الفجوة الزمنية والبيولوجية. فأتقن لغة الصغار ومنطقهم، حتى صعب عليه أحياناً التفاهم مع عالم الكبار، مع أقرانه. فصار غريباً خارج قسمه.

إنه لا يعرف بعد المدرسة إلا فضاءات محدودة: النقابة، والبيت، والمقهى، والمسجد أو الحانة، كل حسب مساره. فضاءات يعيد فيها اجترار نفس الخطاب، حول أزمته الثلاثية المزمنة: السلم، والسكن، والسلف. أزمة تلاحقه في ماضيه وحاضره ومستقبله، فتحوله إلى كائن نمطي، مبرمج كجدادته اليومية، يحكمه هاجس الضبط وتبرير الحضور والغياب.

لذلك يشعر مع كل إصلاح جديد أن سلطته تتبخر، ومع كل جيل جديد من البرامج يشعر بالزوال. فينتابه القلق من أي دماء جديدة، والنفور من أي زميل متجدد، ليس حسداً، بل خوفاً من أن يكشف عجزه.

وتطحنه في النهاية رحى الصراعات: صراع نقابي، أو ضغط اجتماعي من أولياء الأمور، أو مضايقات إدارية. فيفقد حتى الإحساس بالواجب.

من هنا يجب أن نبدأ. إن أي تعثر في المنظومة التربوية يعود في جوهره إلى قاعدتها الصلبة: المدرس. صانع التربية والتعلم، فبدونه لا يمكن تحقيق أي تطور.

نعم، هناك استثناءات مضيئة، أقلية من المتحمسين الذين يكونون أنفسهم باستمرار ويمارسون الديمقراطية في أقسامهم، لكنهم يبقون أقلية.

إن الشأن التربوي اختيار يحتاج إلى احترافية، والاحترافية تحتاج إلى إمكانيات بنيوية ولوجستية من الدولة والجماعة والمجتمع المدني. لا يمكن أن نطالب بالتغيير ونحن نترك المدرس في هشاشة وضعية وانسداد أفق.

لابد من مراجعة شاملة: طرق التدريس، وطرق التأطير التربوي، وطرق التعامل الإداري، ومناهج التسيير المؤسساتي. لابد من إعادة الاعتبار للفضاء المدرسي. وكل ذلك لن يتحقق دون فهم عميق لسيكولوجيا هذا الإنسان الذي ارتبط بالمدرسة منذ طفولته إلى تقاعده، في أبعاده النفسية والاجتماعية والمعرفية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى