
لم تكن رحلة الشاب “إبراهيم سورو زنگا” المنحدر من مدينة أبيدجان بدولة كوت ديفوار، نحو ما كان يعتقد أنه الفردوس الأوروبي، سوى رحلة مليئة بالمعاناة والتشرد والوحدة، قبل أن تتحول فصولها بمدينة مراكش إلى قصة إنسانية مؤثرة، بطلها مواطن مغربي بسيط يُدعى حمو، اختار أن يمد يد العون لشاب غريب عن بلده، بعدما وجد نفسه وحيدا في مواجهة قسوة الحياة.
إبراهيم، المزداد سنة 2003، حل بالمغرب خلال شهر يناير من السنة الجارية، حاملا معه حلم الوصول إلى أوروبا، تنقل بين الدار البيضاء وأكادير وطانطان وأولاد تايمة، واشتغل في أعمال بسيطة لتأمين قوته اليومي، قبل أن يجد نفسه في نهاية المطاف بمدينة مراكش، حيث قضى حوالي أسبوع يبيت في العراء، في ظروف اجتماعية ونفسية قاسية.
كان إبراهيم قليل الكلام، يميل إلى العزلة ويخشى مخالطة الناس، وربما ساهم ذلك في ابتعاد الآخرين عنه وعدم انتباههم إلى حجم المعاناة التي كان يعيشها، لكن الأقدار شاءت أن يلتقي بحمو، الرجل الذي لا يملك من المال إلا القليل، والذي يتحمل بدوره مسؤولية أسرته الصغيرة، لكنه يمتلك قلبا كبيرا وروحا إنسانية لا تقاس بما في الجيوب.
بادر حمو إلى الاقتراب من إبراهيم والاستفسار عن أحواله، وأصرّ على معرفة قصته، رغم تردد الشاب الإيفواري وصمته في البداية، وبعد محاولات عدة، قرر إبراهيم أخيرا أن يفتح قلبه ويحكي عن رحلته الشاقة، وعن الظروف الصعبة التي عاشها بعيدا عن وطنه وأسرته.
لكن اللحظة التي غيرت كل شيء كانت حين اتصل إبراهيم بوالدته عبر الهاتف، تحولت المكالمة إلى مشهد مؤثر، غلبت فيه الدموع صوت الكلمات، وبكى الابن شوقا إلى أمه، فيما بكت الأم ألما على ابنها البعيد عنها، كان ذلك المشهد كافيا ليحسم حمو قراره بأن لن يترك هذا الشاب وحيدا، وسيبذل ما استطاع من أجل إعادته إلى أحضان والدته.
ومنذ تلك اللحظة، وضع حمو جانبا جزءا من انشغالاته اليومية، وكرس وقته لمساعدة إبراهيم، موفرا له المأكل والملبس والإقامة بأحد الفنادق القريبة من ساحة جامع الفنا، ولم تتوقف مبادرته عند المساعدة المادية، بل رافقه في مختلف الإجراءات الإدارية، من التنقل إلى المصالح الأمنية والمحكمة، وصولا إلى القنصلية المعنية بمدينة الرباط، لاستكمال الإجراءات الضرورية للحصول على وثيقة المرور التي تمكنه من العودة إلى بلده.
وكان حمو يتولى تنقلاته على متن دراجته النارية، مستغلا كل فرصة لتقديم النصائح والتوجيهات لهذا الشاب الذي لا يزال في مقتبل العمر، محاولا التخفيف عنه وإعادة الأمل إلى نفسه، بعد أن نهره البعض وعنّفه البعض الآخر.
وأمام التكاليف التي تطلبتها عملية العودة، لم يتردد حمو في الاتصال بعدد من أصدقائه ومعارفه الذين استجابوا للنداء، وساهموا في جمع المبلغ اللازم لشراء تذكرة سفر إلى أبيدجان، كما حرصوا على توفير الملابس والزاد ومبلغ مالي لتغطية مصاريف تنقله بالقطار نحو مطار محمد الخامس، حيث سيستقل طائرة العودة نحو وطنه للقاء والدته بعد أشهر من الغياب والمعاناة.
وتستحق هذه المبادرة الإنسانية كل التقدير، ليس فقط لما قدمه حمو من دعم مادي ومعنوي، بل لأنه أعاد إلى الأذهان أن التضامن الحقيقي لا يرتبط بالغنى أو الفقر، وإنما بإنسانية الإنسان واستعداده لمساعدة غيره في لحظة الحاجة.
كما لا يمكن إغفال مساهمة أصدقاء حمو، ومن بينهم الطالب موح، والتهامي، والسي المكي، والسي الرحموني، الذين شاركوا في توفير ثمن تذكرة الطائرة، ليؤكدوا جميعا أن العمل الجماعي، ولو بإمكانات بسيطة، قادر على تغيير حياة إنسان بأكملها.
تحية تقدير واحترام للسي حمو ولكل من ساهم في هذه المبادرة النبيلة، التي أعادت الأمل إلى قلب شاب أنهكته الغربة، وفتحت أمامه طريق العودة إلى وطنه وأسرته.
ففي الوقت الذي قد تمر فيه مآسي الآخرين دون أن تثير انتباه أحد، اختار هؤلاء أن يكونوا سببا في إنهاء معاناة شاب، وأن يمنحوه فرصة جديدة للعودة إلى حياته بين أهله وأحبائه.
إنها قصة من قلب مراكش، تؤكد أن أجمل صور الإنسانية هي تلك التي لا تبحث عن الأضواء، بل تكتفي برسم دمعة فرح على وجه إنسان، وإعادته إلى حضن أم انتظرت طويلا عودته.



