أعادت الأحكام الصادرة عن المحكمة الإدارية الابتدائية بمراكش، والقاضية بعزل خمسة أعضاء من مجلس جماعة تسلطانت، من بينهم الرئيسة السابقة للمجلس وثلاثة نواب لها وعضو بالمجلس، النقاش حول المآل القانوني للاختلالات التي رصدتها المفتشية العامة للإدارة الترابية، وما إذا كانت ستظل في حدود الجزاء الإداري المتمثل في العزل، أم ستنتقل إلى مرحلة المتابعة القضائية إذا تبين أن بعض الأفعال قد تكتسي طابعا جنائيا.
وجاءت أحكام العزل بناء على طلب تقدم به والي جهة مراكش آسفي، عامل عمالة مراكش، استنادا إلى المادة 64 من القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات، بعدما خلص التقرير النهائي للمفتشية العامة للإدارة الترابية رقم 2026/163 إلى رصد اختلالات اعتبرتها المحكمة ثابتة وتمس بمصالح الجماعة وأخلاقيات المرفق العمومي.
خروقات متعددة
وتضمنت الأحكام القضائية معطيات تفصيلية بشأن طبيعة الاختلالات المنسوبة إلى الأعضاء المعزولين، من أبرزها منح 144 ترخيصا لإحداث تجزئات عقارية ومجموعات سكنية رغم غياب شبكات التطهير السائل والماء الصالح للشرب، والترخيص بمشاريع وصفت بأنها غير مطابقة لمقتضيات وثائق التعمير، إضافة إلى إصدار رخص لفائدة بنايات ومحلات مشيدة فوق عقارات تابعة للملك الخاص للدولة.
كما سجلت المحكمة منح عشرات الرخص الاقتصادية داخل بنايات غير قانونية، وتسليم رخص إصلاح استغلت لإنجاز بنايات جديدة، إلى جانب اختلالات مرتبطة بالجبايات المحلية، من بينها عدم القيام بالإحصاء السنوي للأراضي غير المبنية وإعفاءات ضريبية اعتبرها التقرير غير مبررة.
وأكدت المحكمة في جميع الأحكام أن تقرير المفتشية العامة للإدارة الترابية يتمتع بقوة إثبات رسمية، وأن المعنيين بالأمر لم يقدموا ما يكفي لدحض الوقائع المنسوبة إليهم، معتبرة أن الأفعال تشكل إخلالا بواجب احترام القانون وتضر بمصالح الجماعة وأخلاقيات المرفق العمومي.
العزل لا يعني بالضرورة انتهاء المسطرة
ويرى متتبعون للشأن القانوني أن العزل الصادر عن المحكمة الإدارية يندرج ضمن المسؤولية الإدارية للمنتخبين، ولا يحسم في وجود أو عدم وجود مسؤولية جنائية، إذ يبقى لكل مسطرة نطاقها وأهدافها.
فإذا كشفت التقارير الرقابية عن أفعال قد تشكل جرائم يعاقب عليها القانون، كاستغلال النفوذ أو التزوير أو تبديد المال العام أو منح امتيازات غير مشروعة أو غيرها من الأفعال المؤثمة، فإن الأمر قد يقتضي إحالة الملف على النيابة العامة المختصة أو على الجهات القضائية المختصة، كل حسب اختصاصه، للبحث في مدى توفر الأركان القانونية لأي أفعال جنائية محتملة.
هل تتجه وزارة الداخلية إلى الإحالة؟
ويطرح حجم الاختلالات التي تضمنها تقرير المفتشية العامة للإدارة الترابية، كما وردت في الأحكام القضائية، تساؤلات حول ما إذا كانت وزارة الداخلية ستتخذ خطوة إضافية تتمثل في إحالة بعض الوقائع على القضاء، خاصة إذا تبين أنها تتجاوز المخالفات الإدارية إلى أفعال قد تستوجب البحث القضائي.
وفي هذا السياق، تبقى الإحالة، إن تمت، رهينة بتقدير السلطات المختصة، وفق ما تسفر عنه التقارير الرقابية وما تسمح به النصوص القانونية الجاري بها العمل، مع احترام مبدأ قرينة البراءة وضمانات المحاكمة العادلة.
انتظار ما ستكشفه المرحلة المقبلة
وتفتح قضية جماعة تسلطانت مرحلة جديدة بعد صدور أحكام العزل، إذ يترقب المتابعون ما إذا كانت الإجراءات ستقتصر على إعادة ترتيب البيت الداخلي للمجلس الجماعي وتعويض الأعضاء المعزولين، أم أن الملف سيتطور إلى مسارات قضائية أخرى إذا ارتأت الجهات المختصة أن بعض الوقائع تستوجب ذلك.
ويبقى الفصل بين المسؤولية الإدارية والمسؤولية الجنائية من المبادئ المستقرة قانونا، حيث إن العزل لا يشكل في حد ذاته إدانة جنائية، كما أن أي متابعة محتملة تبقى من اختصاص القضاء، الذي وحده يملك صلاحية البت في مدى قيام المسؤولية الجنائية وترتيب آثارها وفق القانون.



