المدرسة المغربية ورهان الحداثة السياسية
التربية على المواطنة والتعبئة المجتمعية في بناء "المدرسة الجديدة"

مقدمة :
يخترق المجتمع المعاصر تحولات عميقة ومتسارعة فرضتها العولمة الاقتصادية وتداعياتها القيمية والتكنولوجية، مما أفرز تحديات كبرى تمس المنظومة القيمية للأفراد والجماعات. وفي خضم هذا المخاض، لم يعد مسموحاً للمدرسة المغربية أن تظل فضاءً مغلقاً يقتصر على الشحن والتلقين المعرفي؛ بل بات لزاماً عليها الانخراط في بناء تعاقد مجتمعي جديد يؤسس لـ “المدرسة الجديدة”. ويمثل رهان التربية على المواطنة والسلوك المدني حجر الزاوية في هذا التحول، ليس فقط كمطلب بيداغوجي، بل كمدخل حاسم للحداثة السياسية والاجتماعية التي تضع الإنسان وكرامته في صلب الغايات التنموية.
أولاً: المواطنة كمدخل للحداثة السياسية (قراءة سوسيولوجية وفلسفية)
تتجاوز المواطنة مفهوم الانتماء الجغرافي الشكلي لتشكل مكانة وعلاقة اجتماعية-سياسية تضمن للفرد التمتع بالحقوق المدنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، مقابل التزام واعٍ ومسؤول بالواجبات. هذا التوازن الخلاق، الذي يؤسس لثقافة تعترف بالحق دون تقزيم لثقافة الواجب، يتماهى مع الطروحات الفكرية لمفكرين مغاربة كبار أمثال عبد الله العروي ومحمد عابد الجابري، الذين يؤكدون أن الانتقال نحو دولة الحق والقانون يتطلب قطيعة مع البنيات التقليدية التي تنتج “الرعايا”، لبناء “مجتمع المواطنين”. وفي نفس السياق، يبرز تحليل عبد الله ساعف -وزير التربية الوطنية ابان حكومة التناوب التوافقي- لديناميات المجتمع المدني والسياسي ضرورة مأسسة قيم المشاركة والمساءلة والاعتراف المتبادل. وهو نفس ما ذهب اليه الباحث الاكاديمي الجزائري فارح مسرحي .
سوسيولوجياً، تؤكد أطروحات إميل دوركهايم أن المدرسة هي مؤسسة التنشئة الاجتماعية بامتياز، وعليها يقع عبء نقل القيم الجمعية التي تضمن تماسك المجتمع. غير أن بيير بورديو يحذر في تحليلاته النقدية من تحول المدرسة إلى جهاز لإعادة الإنتاج الاجتماعي والثقافي والتفاوتات الطبقية. ولتجاوز هذا الفخ، كان لزاماً على المنظومة التربوية تبني مقاربة تهدف إلى تحقيق الإنصاف والجودة والارتقاء الفردي والمجتمعي، معتبرة النهوض بالسلوك المدني مسؤولية مجتمعية متقاسمة تتولاها المنظومة التعليمية إلى جانب الأسرة والإعلام.
ثانياً: المرجعيات الناظمة لترسيخ قيم المواطنة تستند التربية على المواطنة والسلوك المدني في المنظومة التربوية المغربية إلى سند مرجعي متكامل يتوزع بين أبعاد دستورية، وحقوقية، وتربوية:
المرجعية الدستورية: يشكل دستور 2011 القاعدة الصلبة لتأطير قيم المواطنة، مؤكداً على قيم الانفتاح والاعتدال والتسامح وتلازم الحقوق بالواجبات.
المرجعية الإستراتيجية والتربوية: شكل الميثاق الوطني للتربية والتكوين المنطلق الأساس لترسيخ الهوية، وهو ما تعزز في الرؤية الاستراتيجية للإصلاح (2015-2030) والقانون الإطار 17-51. كما نصت وثائق مرجعية أخرى، كالكتاب الأبيض والبرنامج الاستعجالي والتدابير ذات الأولوية، على إدماج الأخلاقيات في المناهج وتخليق الحياة المدرسية.
المرجعية الحقوقية: تلتزم المدرسة المغربية بالمواثيق الدولية لحقوق الإنسان، مكرسة قيم الكرامة ونبذ كل أشكال التمييز والإقصاء.
ثالثاً: أنسنة الفعل التربوي والأساليب البيداغوجية الحديثة:
إن أنسنة الموضوع التربوي والتربية على القيم تتطلب تجاوز أساليب الوعظ المباشر والأمر والنهي نحو اعتماد مقاربات بيداغوجية حديثة تنقل المتعلم من منطق الاستهلاك السلبي إلى التفاعل والبناء. ويؤكد الفاعلون التربويون، ومنهم الأستاذ خالد فارس، المفتش العام السابق لوزارة التربية الوطنية، على ضرورة الانتقال من التنظير إلى الممارسة الميدانية والتأطير الفعال للحياة المدرسية. ويتأتى ذلك عبر:
مقاربة الملاءمة (Apprentissage de la Pertinence): تروم ربط التعلمات الأكاديمية بتطبيقاتها العملية في الحياة اليومية والشخصية للمتعلم، لتجاوز التجريد وجعل المتعلم يدرك جدوى ما يتعلمه في واقعه المعيش.
التربية الوجدانية والتعلم الفعال: الاستئناس بصنافة “كراثول” التي تتدرج من “الانتباه العابر” إلى “الالتزام الراسخ بمنظومة القيم”. ويتم ذلك عبر التعلم التعاوني، ولعب الأدوار، والتحليل النقدي للظواهر.
آلية القدوة والمشاريع المندمجة: يعد مشروع المتعلم، ومشروع القسم، ومشروع المؤسسة آليات منهجية لتنزيل أنشطة التربية على القيم. غير أن ذلك يظل قاصراً دون “آلية القدوة” القائمة على حث المدرسين والإداريين على تجسيد القيم المستهدفة في سلوكاتهم ومعاملاتهم اليومية.
رابعاً: تفعيل الحياة المدرسية وأخلاقيات المهنة تعتبر الأندية التربوية (نادي المواطنة، نادي البيئة، نادي التضامن) ومجالس المؤسسات فضاءات حية لممارسة الديمقراطية التشاركية، وتدبير الاختلاف، والتمرس على آليات الاقتراع. وتلعب هذه الأندية دوراً محورياً في تمكين المتعلم من التمييز بين حقوقه وواجباته، وتطبيق قيم الإنصاف ومقاربة النوع الاجتماعي. بالموازاة مع ذلك، يشدد التحليل السوسيو-تربوي على أن تحصين المجتمع يبدأ من تحصين المؤسسة التربوية عبر الالتزام بأخلاقيات المهنة. فالأستاذ الناجح هو الذي يبتعد عن خطاب التيئيس والعدمية، ويتعامل بشكل عقلاني مع الكتاب المدرسي كمساعِد ديداكتيكي وليس سلطة معرفية مطلقة، ويعتمد التقويم بالتدعيم الإيجابي متجاوزاً العنف الرمزي والإحباط. إن هذا الالتزام المهني يبني “تعاقد ثقة” يحفظ كرامة الفاعل التربوي ويضمن الجودة والإنصاف.
خامساً: التعبئة المجتمعية والمدرسة كقاطرة للتنمية الشاملة تأسيساً على تقارير المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، تعتبر “المدرسة الجديدة” المدخل الأساس لتأهيل الرأسمال البشري وتحقيق التنمية المجتمعية والارتقاء الفردي. ولا يمكن لهذا الرهان أن يتحقق إلا عبر تفعيل دينامية “الحياة المدرسية” والأنشطة المندمجة اللاصفية، بوصفها أنشطة منهجية تسعى لترسيخ الكفايات الشخصية والاجتماعية للمتعلم، وإدماجه الفعال في الحياة العامة. لضمان ملاءمة التعلمات المدرسية للإسهام في التنمية الشاملة، تبرز حتمية الانفتاح على المحيط وتفعيل الشراكة الحقيقية، انطلاقاً من مبدأ أن التربية مسؤولية مجتمعية متقاسمة. فلن يكتمل تحقيق الأهداف المرتبطة بترسيخ القيم إلا بإشراك الأسرة، وجمعيات أمهات وآباء وأولياء التلاميذ، ومنظمات المجتمع المدني والجماعات الترابية. وفي هذا الإطار، تتجاوز المدرسة أدوارها التقليدية لتصبح عاملاً أساسياً في التنمية المجتمعية عبر أبعاد متكاملة:
نشر المعرفة والثقافة: من خلال تقديم برامج تعليمية وتثقيفية تساهم في الرفع من مستوى الوعي الحضاري بين أفراد المجتمع.
التنشئة الاجتماعية والأخلاقية: حيث تعمل المدرسة كفضاء لغرس القيم الإنسانية النبيلة، كالتسامح والصدق والمسؤولية وقبول الاختلاف، مما يضمن بناء مجتمع متماسك ومترابط.
تأهيل الكفاءات الاقتصادية: عبر تنمية مهارات المتعلمين وتزويدهم بالكفايات اللازمة لتلبية احتياجات سوق العمل المتغيرة، وهو ما ينعكس إيجاباً على الرفع من المستوى المعيشي.
تفعيل الشراكة المجتمعية المستدامة: من خلال التعاون الوثيق مع أولياء الأمور والمؤسسات المحلية و جمعيات المجتمع المدني ومختلف الفاعلين بالقطاع الخاص او العام، لتنفيذ مبادرات تنموية وبيئية مستدامة تجعل من المؤسسة التعليمية بؤرة إشعاع حقيقية في محيطها.
خاتمة :
يتبين مما سبق أن بناء “المدرسة الجديدة” في المغرب يتجاوز كونه شعاراً قطاعياً ليصبح ورشاً مجتمعياً استراتيجياً يدمج قيم المواطنة والسلوك المدني وحقوق الإنسان في صلب الفعل التربوي. إن التعبئة المجتمعية لا تعد فقط آلية دعم عابرة للمدرسة، بل هي شريك استراتيجي في هندسة “المواطنة الحية” والمشاركة الفاعلة. ويبقى نجاح هذا الرهان الحضاري موقوفاً على توفير الشروط المادية والبيداغوجية وتضافر الإرادات، لجعل المدرسة فضاءً حقيقياً للاستنارة والارتقاء، يُهيئ أجيالاً قادرة على الاندماج الفعال في بناء صرح الحداثة السياسية والتنمية المستدامة المنشودة.”
لائحة المراجع والمصادر
أولاً: المراجع والوثائق المؤسساتية والرسمية
-دستور المملكة المغربية (2011): (خاصة الفصول والتصدير المتعلق بثوابت الأمة، دولة الحق والقانون، والمواطنة التشاركية).
-الميثاق الوطني للتربية والتكوين: المرتكزات الثابتة والغايات الكبرى للتربية على القيم.
-المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي: الرؤية الاستراتيجية للإصلاح (2015-2030) “من أجل مدرسة الإنصاف والجودة والارتقاء”.
-القانون الإطار رقم 51.17: المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي.
-تقارير المجلس الأعلى للتعليم: (تحديداً التقارير المتعلقة بالتربية على السلوك المدني وحقوق الإنسان، يوليوز 2017).
-وزارة التربية الوطنية: الوثائق المرجعية كالكتاب الأبيض، والبرنامج الاستعجالي، والتدابير ذات الأولوية (المحور الثامن المتعلق بالنزاهة بالمدرسة والقيم).
ثانياً: العروض والوثائق التربوية المعتمدة:
-التربية على المواطنة والسلوك المدني في بناء “المدرسة الجديدة”: قراءة تقاطعية في المرجعيات والرهانات الاستراتيجية بالمغرب (ورقة تأطيرية).
-عبد العزيز السيدي :عرض التربية على قيم المواطنة والسلوك المدني وحقوق الإنسان كمقومات للمدرسة الحديثة: مقاربات حول أخلاقيات المهنة، الحياة المدرسية، والأندية التربوية.
-السيدي عبد العزيز: عرض بيداغوجي بعنوان “التربية على القيم”، مجزوءة تدبير الحياة المدرسية، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين.
ثالثاً: المراجع الفكرية والسوسيولوجية (أطر التحليل البيداغوجي والاجتماعي)
-العروي، عبد الله: إسهاماته الفكرية حول مفهوم “الدولة”، وتأصيله لشروط “الحداثة السياسية” والقطيعة مع البنيات التقليدية في سياق بناء مجتمع المواطنين.
-الجابري، محمد عابد: كتاباته النقدية حول قضايا التعليم، والنهضة، وتأسيس قيم المواطنة في الفكر العربي والمغربي.
-ساعف، عبد الله: تحليلاته السوسيولوجية والسياسية لديناميات المجتمع المدني، والسياسات العمومية، والمشاركة الديمقراطية.
-مسرحي، فارح: مقارباته الفكرية لقضايا المواطنة، والمجال العام، والتحولات القيمية في المجتمع.
-دوركهايم، إميل (Émile Durkheim): أعماله التأسيسية في “سوسيولوجيا التربية”، وتحديدا مقاربته للمدرسة كمؤسسة مركزية للتنشئة الاجتماعية ونقل القيم الجمعية وضمان التماسك الاجتماعي.
-بورديو، بيير (Pierre Bourdieu): نظرياته النقدية (إعادة الإنتاج، العنف الرمزي) والتي تشكل إطاراً تحليلياً لتحذير المدرسة من إعادة إنتاج التفاوتات، وضرورة تبني مقاربات تحقق الإنصاف.
-فارس، خالد (المفتش العام السابق لوزارة التربية الوطنية): توجيهاته التنظيرية والميدانية، وإسهاماته في تأطير الحياة المدرسية، وتجديد النموذج البيداغوجي والنهوض بالعمل التربوي داخل المؤسسات التعليمية المغربية.
اعداد: عبد العزيز السيدي
رئيس مركز رؤى للأبحاث والدراسات والتكوينات في التربية والثقافة والتنمية مراكش



