العطش في جماعة الصهريج.. أزمة ماء أم أزمة حكامة؟

لم تعد أزمة الماء الصالح للشرب بجماعة الصهريج، وخاصة بدواوير الحمادنة، مجرد إشكال تقني أو ظرفي فرضته سنوات الجفاف، بل أصبحت أزمة بنيوية تكشف اختلالات عميقة في التخطيط والتدبير والحكامة. فالماء، الذي تكفله المواثيق الدولية والدستور كحقًا أساسيًا لكل المواطنين، تحول بالنسبة لعدد من الأسر إلى مطلب يومي، بينما تتكرر الوعود وتتوالى البرامج دون أن تنتهي معاناة الساكنة.
بدأت ملامح الأزمة تتفاقم خلال السنوات الأخيرة مع تزايد الضغط على الموارد المائية، غير أن ما تعيشه دواوير الحمادنة تجاوز حدود الخصاص الظرفي ليصبح أزمة مستمرة تتجلى في ضعف كبير في التزود بالماء الصالح للشرب والانقطاعات المتكررة التي تمتد أحيانًا لأيام، وهو ما جعل الحصول على الماء يشكل معاناة يومية لعدد كبير من الأسر، في مساس واضح بحق أساسي من حقوق المواطنين.
ولا يمكن اختزال هذا الواقع في آثار الجفاف وحدها، فالجفاف عامل موضوعي يفرض تحديات على مختلف المناطق، لكنه لا يعفي الجهات المعنية من مسؤولياتها في حسن التدبير والتخطيط الاستباقي. فالشركة الجهوية متعددة الخدمات، باعتبارها الجهة المكلفة بتدبير مرفق الماء، تتحمل مسؤولية ضمان استمرارية وجودة الخدمة، إلى جانب باقي المتدخلين من سلطات عمومية وجماعات ترابية ، كل في حدود اختصاصاته.
إن استمرار الأزمة، وتكرار الانقطاعات، وغياب حلول ناجعة ومستدامة، كلها مؤشرات تثير تساؤلات جدية حول الحكامة، ونجاعة التدبير، ومدى احترام الالتزامات المرتبطة بضمان الحق الدستوري في الماء.
وقد انعكس هذا الواقع على السلم الاجتماعي، حيث تصاعد الاحتقان الشعبي في عدد من دواوير الحمادنة، ونُظمت وقفات احتجاجية، ورُفعت شكايات ومراسلات إلى الجهات المختصة للمطالبة بحق بسيط يكفله الدستور، وهو الحق في الماء. ولم تكن هذه الاحتجاجات سوى تعبير عن نفاد صبر الساكنة، وعن شعورها بأن معاناتها لم تعد تحظى بالاستجابة المطلوبة، رغم تكرار الوعود.
إن استمرار هذا الوضع يفرض الانتقال من منطق تدبير الأزمة إلى منطق حلها. وهو ما يقتضي وضع خطة استعجالية لتأمين التزود المنتظم بالماء، والبحث عن حلول مستدامة تضمن الأمن المائي للجماعة، مع اعتماد مبدأ الشفافية في تدبير القطاع، وإطلاع الرأي العام على حقيقة الوضعية، كما يقتضي الأمر تعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين، وربط المسؤولية بالمحاسبة كلما ثبت وجود تقصير أو سوء تدبير.
إن أزمة الماء بجماعة الصهريج، وخاصة بدواوير الحمادنة، لم تعد مجرد أزمة خدمات، بل أصبحت قضية كرامة وحقوق وعدالة مجالية. ولن تستعيد المؤسسات ثقة المواطنين إلا عندما يتحول الحق في الماء من شعار دستوري إلى واقع يلمسه الجميع، وعندما يصبح تدبير هذا المرفق الحيوي قائمًا على الحكامة والنجاعة والمسؤولية، بدل الاكتفاء بتدبير الأزمات بعد وقوعها.
سعيد الفاضلي فاعل سياسي وحقوقي



