أوجاع المدرسة العمومية بين سطوة النص ونتائج PISA

بقلم: محمد تكناوي
من يتأمل مسار الإصلاح التربوي في بلادنا يخلص إلى أن مكمن التعثر لم يكن يوما في قلة البرامج والتصورات، بل في طريقة تدبيرها التي تعاملت مع المدرسة كمجال لتلقي التوجيهات لا كفضاء لصناعة الحلول، حيث تُصاغ الرؤية بعيدا عن نبض الأقسام ثم يُستدعى المدرسون للإنصات لما حُسم سلفا، في مسلك يختزل الفاعل التربوي في مجرد منفذ.
إن هذا النمط التدبيري هو ما أثقل كاهل المدرسة العمومية بأوجاع متراكمة، تبدأ من الهدر المدرسي والاكتظاظ وضعف التحكم في التعلمات الأساس، ولا تنتهي عند الصورة التي رسمها البرنامج الدولي لتقييم التلاميذ PISA، بتراجع المغرب إلى المرتبة 76 في العلوم و71 في الرياضيات و79 في القراءة. فهذه النتائج ليست حدثا منعزلا، بل هي عرض من أعراض داء واحد: إصلاح يُبنى بسطوة النص لا بسلطة المعنى.
إن تجاوز هذا الوضع يقتضي القطع مع وهم أن الإصلاح يمر عبر تراكم المذكرات، والانتقال من منطق الإخبار إلى منطق التواصل بمعناه العميق. فالإخبار هو أن أقول لك ما قررته وانتهى، وهو منطق عمودي ينتج الاغتراب والمقاومة السلبية ويحول المدرسة إلى قاعة انتظار للتعليمات، أما التواصل فهو فعل عقلاني تفاوضي، أن نفكر معا حول ما يجب أن نقرره، وأن يشارك الجميع في وضع قواعد النقاش وليس فقط في تطبيقها. وهذا التواصل لا يستقيم إلا بالنقد البناء والاعتراف المتبادل، حيث تتحول أوجاع المدرسة العمومية من شكاوى فردية صامتة في قاعات الأساتذة إلى مشاكل عمومية قابلة للنقاش والحل المشترك.
ولماذا لا إصلاح دون إشراك؟ لأن الفاعل الذي لا يشارك في صنعه يشعر بالاغتراب فيتحول إلى منفذ يقاوم بصمت، ولأن المعرفة الحقيقية بالمدرسة كامنة في نبض الأقسام لا في التقارير، فإقصاء المدرس والأسرة هو إقصاء للمعرفة الميدانية نفسها، وهو أيضا إفراغ للإصلاح من شرعيته باعتباره تعاقدا اجتماعيا لا قرارا إداريا، وما يُفرض بهذه الطريقة يُطبق شكلا ويُفرغ مضمونا، بينما كفايات الفهم والنقد التي يقيسها PISA لا يزرعها إلا مدرس متحرر بسلطة المعنى لا مقيد بسطوة النص.
وهذا التحول الفلسفي هو بالضبط ما أراد المشرع تكريسه في القانون الإطار 51.17، الذي جعل في احدى مواده من ركائزه إشراك كل الفاعلين والشركاء والانفتاح والتواصل الفعال، قاطعا بذلك قانونيا مع منطق الانفراد بالقرار، وجاءت خارطة الطريق 2022-2026 لتمنح هذا المبدأ روحا ميدانية عبر تمكين فرق العمل المحلية ومجالس المؤسسة.
غير أن مخرجات القانون الإطار وخارطة الطريق ظلت نسبية ومحدودة الأثر، لأن الإدارة في تنزيلها ارتدت إلى منطقها القديم، فبدل تفعيل عمق الإشراك كفلسفة، اكتفت بشكلياته، فتحول التواصل المنشود إلى إخبار جديد بلبوس تشاركي، ولم يتم التعامل مع عمق النصوص بل مع سطحها.
ومدارس الريادة التي تقدمها الوزارة اليوم كحل مستقبلي لتضميد هذه الأوجاع عبر تحسين التحكم في التعلمات وتقليص الفوارق، هي خير دليل على هذا الارتباك، حيث شددت الوزارة على أن نتائج PISA الأخيرة تؤكد صوابية هذا الاختيار الاستراتيجي، موضحة في الآن ذاته أن عينة PISA لا تشمل تلاميذها وأن قياس الأثر الحقيقي يقتضي انتظار وصول المستفيدين من نموذج الريادة إلى سن الخامسة عشرة، وهو منطق يرهن الحاضر بمستقبل مؤجل.
إن الرهان يبقى واحدا: إما أن نبقى أسرى سطوة النص نراكم المذكرات ونحصي أوجاعنا كلما صدر تقرير دولي، أو ننتقل بجرأة إلى سلطة المعنى حيث يصبح القانون الإطار وخارطة الطريق تعاقدا حيا يشعر فيه المدرس أن القاعدة من صنعه. عندها فقط، يتحول الإصلاح من مشروع إدارة تدير أوجاع المدرسة، إلى مشروع حياة مشتركة يشفيه.



