
بقلم: محمد تكناوي
لم تعد من باريس وفي يدها جائزة فقط، بل عادت وفي قلبها حكاية عشر سنوات من الإصرار. حين صعدت Maryam Montague، الرئيسة التنفيذية لمنظمة تحليق – Project Soar، منصة اليونسكو يوم 9 أكتوبر بباريس، لم تكن تصعد وحدها. كان معها ظل كل فتاة جلست في فصل دراسي في قرية نائية وقررت أن من حقها أن تحلم، وكان معها نبض فريق كامل آمن بأن أذكى استثمار على وجه الأرض ليس في المشاريع الضخمة ، بل في تعليم فتاة.
هناك، في قاعة المؤتمرات بمقر اليونسكو، وأمام أكثر من 600 شخصية من مختلف أنحاء العالم، توجت منظمة مغربية المنشأ والروح، بجائزة اليونسكو 2026 لتعليم الفتيات والنساء، عن برنامجها المبتكر “تحليق في حقيبة – Soar in a Bag”. جائزة تمنح بدعم من جمهورية الصين الشعبية، وقررت المنظمة أن توجه قيمتها كاملة إلى الميدان، حيث تصنع الفوارق الحقيقية.
بدت لحظة التتويج التي تسلمتها مريم من من منظمة اليونسكو، كاعتراف أممي بأن نموذجا خرج من المغرب بات يلهم العالم. لكن مريم، في كلمتها المؤثرة، أبت أن يكون الاحتفال نهاية القصة، بل جعلته مرآة للجرح المفتوح.
قالت: “عندما أسست Project Soar قبل أكثر من عشر سنوات، لم أكن أتخيل أن نصل إلى هنا. هذه الجائزة تنتمي لكل فتاة دخلت قسما دراسيا وقررت أن من حقها أن تحلم، ولكل فريق تحليق الذي سار إلى جانبها”.
ثم صمتت قليلا لتذكر العالم بمن لم يسمح لهن بالحلم: 2.4 مليون فتاة في أفغانستان ممنوعات من التعليم الثانوي، أكثر من سكان باريس كلها. أربعة ملايين فتاة خارج المدرسة في السودان، وحوالي 350 ألف فتاة في غزة عشن ثلاث سنوات دون مقعد دراسي، وعدن اليوم إلى مدارس بنفسية مهزوزة .
“تلك هي الفجوة التي وجدت تحليق لسدها”، قالت. فما الذي سدت به المنظمة هذه الفجوة حتى وصلت إلى باريس؟
الجواب ليس في خطاب، بل في ثلاث أدوات صاغتها المنظمة كحلول للحياة: أولها “تحليق في حقيبة”، ليس مجرد منهاج، بل بيت متنقل للثقة والقيادة يمكن وضعه في حقيبة ليفتح في أي قرية. وثانيها “Talili”، علامة مغربية للملابس الداخلية للدورة الشهرية، خضعت لاختبارات مخبرية، جاءت لتقول بصوت عملي إن جسد الفتاة لا يجب أن يكون سببا في انقطاعها عن الدراسة. وثالثها “اسألي مروة – Ask Marwa”، مساعدة ذكية عبر واتساب، تمنح الفتاة إجابة آمنة وخاصة بلا خجل ولا حكم، وتحترم ثقافتها.
بهذه الأدوات البسيطة والعميقة، أصبحت تحليق اليوم حاضرة في 8 دول.
ولأن الدائرة لا تكتمل إلا حين تعود إلى نقطة البداية، كان الفصل الثاني من الحكاية هنا في مراكش. فبعد أربعة أيام فقط من تتويج باريس، وتحديدا يوم 13 أكتوبر 2026، لم تخلد المنظمة جائزتها في خزانة، بل نزلت بها إلى الميدان. نظمت بمراكش ندوة صحفية وأنشطة ميدانية بمناسبة اليوم العالمي للفتاة، جلست فيها مع فتيات في وضعية هشاشة، فتحت معهن ورشات للثقة بالنفس والصحة والقيادة، ووزعت عليهن حقائب “Soar in a Bag”.
كأنها تقول إن باريس تمنح الجائزة، لكن مراكش هي من تمنحها المعنى.
وختمت مونتاغ كلمتها في باريس بنداء لا يزال يرن في مراكش: “هذا ليس عملا خيريا. فتاة تتعلم اليوم، ستقود وتشفي وتبني وتكسب على مدى الخمسين سنة القادمة. استثمروا نفوذكم، وصوتكم، ومالكم. دعونا نقف جميعا إلى جانب الفتيات”.
من 9 أكتوبر في باريس إلى 13 أكتوبر في مراكش، هي نفس الرحلة، رحلة تحليق فتاة قررت أن تتعلم، فتعلم معها مجتمع بأكمله كيف يحلق.





