
بقلم: محمد تكناوي
إذا أردنا أن نفهم تعثر مدرستنا العمومية، فلا يكفي أن نراجع البرامج والمناهج والمقررات والمقاربات البيداغوجية، بل يجب أن نراجع علاقتها بالزمن وبالإنسان، لأن الأزمة الحقيقية ليست في ما نُدرّسه، بل في شكل العنف الرمزي الهادئ الذي يمارسه الزمن المدرسي نفسه على من يتعلم ومن يُعلّم داخل نفس الحيز ونفس الساعات. فداخل نفس الفصل الدراسي، يتقاطع مصيران، أحدهما يتعلم كيف يصمت مبكرا، والآخر يتعلم كيف يتحمل طويلا، وكأن الزمن المدرسي نفسه أصبح عبئا على الجميع.
فالطفل في مدارسنا الابتدائية، من الرابعة إلى الثانية عشرة واحيانا أكثر ، ليس متلقيا صغيرا، بل هو كائن نمو حركي وحسي لا يتعلم بالسكون بل بالحركة والتجربة واللعب، وتشير معطيات علم النفس المعرفي والإيقاعات الحيوية إلى أن قدرته على التركيز الإرادي محدودة لا تتجاوز دقائق معدودة، بعدها يحتاج جهازه العصبي إلى تغيير النشاط والتحرر الجسدي ليعيد ترتيب ما تعلمه، غير أن الزمن المدرسي عندنا يسير في اتجاه معاكس تماما، فهو يمتد لأربع إلى خمس ساعات متواصلة يطلب فيها من الطفل أن يبقى جالسا ومنصتا بينما تتعاقب المواد الدقيقة الواحدة تلو الأخرى دون فواصل حقيقية، وهو ما يرهق الذاكرة العاملة ويضعف الاستيعاب ويحول الرغبة في التعلم إلى انتظار ثقيل لجرس الاستراحة.
وما يزيد هذا الوضع تعقيدا هو طبيعة الفضاء نفسه، فالأقسام المكتظة تقلص إمكانية التعلم النشط وتدفع نحو التلقين، والساحات غير المجهزة لا تتيح التفريغ الحركي الضروري، وغياب التغذية المدرسية المنتظمة يؤثر مباشرة على استقرار الطاقة والانتباه، وتكشف المقارنة الدولية عن مفارقة مؤلمة، فالمتعلم المغربي يقضي حوالي ألف ساعة سنويا داخل الفصل الدراسي، متجاوزا متوسط الدول المتقدمة وضعف ما هو معمول به في التجارب الرائدة عالميا التي تعتمد يوما قصيرا لا يتجاوز ثلاث إلى أربع ساعات تتخللها فترات لعب إلزامية، ورغم ذلك تظل نتائج تلامذتنا في الروائز الدولية متواضعة، وهو ما يؤكد أن الرهان ليس على كثرة الساعات بل على جودة توزيعها، فنحن نرهق الطفل باسم التربية ولا نحصد تعلما.
وإذا كان هذا هو حال المتعلم المحشور في زمن لا يشبه زمنه، فإن المعلم المغربي يعيش في الضفة الأخرى من نفس الفصل الدراسي زمنا مغلقا لا يقل استنزافا، فهو صاحب السيرة الأطول داخل المدرسة المغربية، دخلها في السادسة تلميذا وسيغادرها في الستين متقاعدا، وهي مصاحبة طويلة تجعل المدرسة جزءا من هويته، وتبدأ العلاقة في الغالب بدافعية عالية وشعور عميق بالرسالة، لكن مع مرور الوقت وتكرار نفس الإيقاع وكثرة الالتزامات الإدارية قد يخفت الحماس ويتحول إلى التزام يومي يغلب عليه الحفاظ على السير العادي أكثر من الإبداع، كما أن المسار المهني الطويل لا يخلو من تقلبات نفسية طبيعية، فهناك فترات من الفتور والتوتر والإرهاق الوجداني وهي جزء من أي عمل إنساني ممتد، وإذا لم تجد ما يواكبها من دعم وتكوين وتحفيز فإنها تتراكم وتؤدي إلى فتور مهني تدريجي.
وتظهر حساسية هذا المسار بشكل أوضح عند الاقتراب من التقاعد، وهي لحظة يمتزج فيها القلق على المستقبل بالتساؤل حول الأثر، فالمعلم الذي ارتبطت سلطته الرمزية لعقود بأدواته المهنية يجد نفسه مقبلا على تحول كبير سيضعه خارج هذه الأدوات، وهو ما يستدعي مواكبة خاصة تحفظ كرامته وخبرته، وهكذا يلتقي المساران في مدرستنا في نقطة واحدة، نظام واحد ينتج إنهاكين بآلية واحدة، زمن طويل ومرهق للمتعلم، وزمن مغلق وروتيني للمعلم، ولا يمكن إصلاح أحدهما دون الآخر.
لذلك فإن المدخل الحقيقي لإصلاح المدرسة العمومية ليس إضافة ساعات أو تغيير المناهج والمقاربات، بل تفكيك هذا العنف الرمزي للزمن وإعادة التوازن لزمن المدرسة نفسه، زمن أقصر وأكثر تنوعا وحركة بالنسبة للطفل، وزمن مهني أكثر انفتاحا ودعما وتقديرا بالنسبة للمدرس، فالمدرسة التي تحترم إيقاع الجسد الصغير وتحفظ كرامة وتوازن من يرافقه، هي وحدها القادرة على تحويل الحضور في الفصل الدراسي من عبء يومي يستنزف فضول التلميذ وشغف المعلم، إلى تجربة نمو مشتركة تليق بالطفل وتليق بمعلمه.



