
حين يختار ثلة من المحامين والمحاميات من مجموع 5992 محام ومحامية من هيئة الدار البيضاء خرق قرار التوقف، من بينهم وزير عدل سابق ونقيبان سابقان، يصبح من المشروع أن نسأل، بهدوء ودون تهويل:
هل نحن أمام شجاعة مهنية حقيقية، أم أمام موقف يخدم، موضوعيا، جهة أخرى غير مصلحة المهنة؟
أنا لا أتهم أحدا بخدمة الدولة او جهات معينة ، ولا أزعم وجود تنسيق أو ضغط لا أملك عليه دليلا. لكنني أرفض أيضا أن نكون ساذجين إلى درجة أن نرى الأفعال معزولة عن سياقها. (ماشي كاع كوانب)
وحين يكون بين من اختاروا كسر الموقف الجماعي وزير عدل سابق، فمن الطبيعي أن نطرح السؤال حول ما إذا كانت صفته السابقة، وعلاقاته ومعرفته الدقيقة بآليات تدبير قطاع العدالة، قد تجعل لموقفه اليوم وزنا وتأثيرا يتجاوز مجرد ممارسة حق فردي في الاختلاف.
وانا اعترف بانه من حق الأستاذ الرميد أن يختلف، كما من حق أي محام أن يختلف.لكن لا أحد فوق النقد.لان الذاكرة المهنية لا تمحى بمجرد مغادرة الوزارة. بل إن من تحمل مسؤولية تدبير قطاع العدالة مطالب، أكثر من غيره، بأن يجيب عن أسئلة تجربته السابقة، وعن مواقف وهفوات تلك المرحلة، وعما قدمه او لم يقدمه للمهنة ،لا أن يحاول فاشلا جعل منصبه السابق مصدر رمزية أو ورقة ضغط أخلاقية على نقبائه و زملائه.كما ان صفته السابقة لا تصنع للمحامين والمحاميات قدوة، بل تبقى المواقف لها الكلمة الاخيرة .
ثم ماذا عن النقيبين السابقين ؟:
الأستاذ النقيب الشهبي، الذي أمضى سنوات طويلة في واجهة الحياة المهنية، اختار اليوم أن يكون في مقدمة الخارجين على قرار الجماعة. ومن حقي، كما من حق كل محام ومحامية ، أن أتساءل: ماذا بقي من تلك السنوات ومن ذلك الرصيد ومن مسؤولية النقيب السابق تجاه وحدة المهنة وتقاليدها؟
لا أريد أن أحاكم الرجل في حياته الخاصة أو أن أفتش في ثروته أو خياراته الشخصية؛ فتلك اليوم ليست قضيتنا وقد اعود اليها لاحقا .
لكنني أقول شيئا أبسط وأعمق: ان كل نقيب سابق لا يقاس بما راكمه من حضور أو علاقات أو مكانة، وإنما بما يتركه من أثر في لحظات الاختبار.
أما الأستاذ النقيب درميش، الذي كانت الدنيا تقوم ولا تقعد حول حضوره ومواقفه، فأجدني اليوم أمام صورة مختلفة تماما.فبعد كل ذلك الحضور والهيبة ، اراه ينتهي به الأمر بحصر نفسه في جحر الموقف الفردي البراغماتي ، بعيدا عن روح الجماعة التي يفترض أن يكون أحد رموزها؟
زملائي زميلاتي ،،المؤسف ليس أن يختلفوا عنا او يخالفوننا الراي والموقف.المؤسف أن يأتي الاختلاف في لحظة تحتاج فيها المهنة إلى التضامن، وأن يأتي من أشخاص يفترض أن يكونوا أكثر إدراكا لقيمة هذا التضامن.
أما الزملاء الآخرون، فأنا أقل ميلا إلى لومهم-هن .لقد عبر بعضهم، منذ البداية، عن مواقفهم، ولم يخفوا اعتراضهم، وان كان هناك من ادعوا أنهم مع الجماعة ثم انقلبوا عليها في لحظة الحسم.
ومن كان موقفه معروفا منذ البداية، فلا مفاجأة في سلوكه اليوم.بل إن اللوم الحقيقي، في نظري، يقع على من حملوا لسنوات ألقابا ومواقع ومسؤوليات داخل المهنة، ثم اختاروا، في لحظة دقيقة، أن يضعوا وزنهم الرمزي في كفة الخروج على القرار الجماعي.
وهنا يجب أن ننتبه إلى أمر أخطر :ليس كل ما يضعف وحدة المحامين يكون بالضرورة مؤامرة، لكن ليس كل ما يضعف وحدة المحامين ينبغي أن نصفه بالصدفة.فالسياسة تعرف كيف تستثمر الانقسامات، والدولة تعرف قيمة وجود جسم مهني منقسم، والسلطة تعرف أن أقوى الحركات الاحتجاجية تفقد جزءا كبيرا من قوتها عندما تتشقق من الداخل.
لذلك لا أقول إن هؤلاء يخدمون الدولة.أقول فقط:إن موقفهم، أيا كانت نياتهم، قد يؤدي إلى النتيجة التي تريدها الدولة: إظهار المحامين منقسمين، وإضعاف الموقف الجماعي، وتحويل قضية مهنية وسياسية إلى خلاف بين أفراد.
وهنا تكمن خطورة الموقف.فقد تكون النية شخصية، لكن الأثر سياسي.وقد يكون الخروج فرديا، لكن نتيجته جماعية.
وقد يظن هؤلاء للأسف أنهم يمارسون شجاعتهم، بينما هم، من حيث يدرون أو لا يدرون، يمنحون خصوم المهنة ما يحتاجون إليه: صورة جسم مهني عاجز عن توحيد صفوفه.
لهذا أقول لهم: اختلافكم حق. خروجكم اختيار. لكن لا تطلبوا منا أن نصفه بالشجاعة لمجرد أنه خروج.
لان الشجاعة تكون أحيانا أن تتحمل قرار الجماعة حتى وأنت مختلف معها، وأن تعرف متى يكون الخلاف موقفا مشروعا، ومتى يصبح، بحساب نتائجه، خدمة مجانية لمن يريد إضعاف المهنة.
أما نحن، فلا نحتاج إلى التخوين ،نحتاج إلى اليقظة،ولا نحتاج إلى توزيع صكوك الوطنية.نحتاج إلى أن من يقوي المحاماة لا من يضعفها، من يحمي قرارها الجماعي لامن يفرغه من مضمونه، والى من يدافع عن استقلالها بشكل فعلي ، وليس من يكتفي باستعمال شعار الاستقلالية حين يخدم موقفه.
فالأشخاص عابرون، والمناصب تزول، والنقباء السابقون يصبحون جزءا من الذاكرة…أما المهنة، فباقية.
ومن يسيء إلى وحدة المهنة في لحظة اختبار، يسيء، شاء أم أبى، إلى تاريخها.والى تاريخه الذي تحفظه الأجيال او تدمره.
الأستاذة جميلة السيوري محامية بهيئة الرباط



