اراءسياسةمراكش

سياسة “الشطيح”.. أُرقصوا لعل الرقص يغنيكم عن خطاباتكم المفلسة

في الوقت الذي لا يزال فيه جرح سبتة المحتلة مفتوحا وينزف، ولا تزال جثامين عشرات المغاربة الذين قضوا وهم يحاولون الهروب من وطنهم أملا في بلوغ “الفردوس الأوروبي”، بعدما ضاقت بهم السبل، (لا تزال) عالقة بالمدينة المحتلة، وسط تعالي أصوات حقوقيين للمطالبة بإعادتها إلى الوطن ودفنها بكرامة، يأبى منتخبون وصناع القرار إلا أن يدفنوا رؤوسهم في الرمل، في ممارسة تشبه إلى حد كبير سياسة النعامة.

وسط هذه المأساة، تطل علينا بين الفينة والأخرى مشاهد من لقاءات تواصلية لعدد من السياسيين والمنتخبين، الذين ابتلعوا ألسنتهم ولم ينبسوا ببنت شفة إزاء مأساة الهروب الكبير وما خلفته من عشرات الضحايا، تماما كما حدث في أزمات سابقة وحراكات اجتماعية، من قبيل “جيل زد”.

لكن هؤلاء أنفسهم وجدوا الوقت الكافي للرقص والاحتفال والاستعراض أمام الكاميرات، وكأن البلاد تعيش أزهى أيامها، وكأن المواطن المغربي ينعم برخاء اجتماعي واقتصادي غير مسبوق، وكأن البطالة لا تؤرق الشباب، ولا غلاء المعيشة يخنق الأسر، ولا الخدمات العمومية تحتاج إلى إصلاح، ولا مناطق منكوبة ما زالت تنتظر أن تلتئم جراحها.

نعم، ظهر هؤلاء يرقصون في مشاهد تعكس، في نظر كثيرين، درجة الانحدار التي آل إليها المشهد السياسي والممارسة السياسية ببلادنا، مشاهد لا تحتاج إلى كثير من التعليق، لأن الصورة أحيانا تكون أبلغ من ألف خطاب.

أخنوش رئيس الحكومة ظهر وهو يرقص على إيقاع أحواش في الحوز، والإقليم لم يضمد بعد كل جراح كارثة الزلزال، وما زالت أسئلة كثيرة معلقة في ذاكرة الساكنة حول إعادة الإعمار والتنمية والإنصاف المجالي.

وأوزين رقص على إيقاع الدقة المراكشية، وقبلها على إيقاع عبيدات الرمى، وكأننا أمام مهرجان فلكلوري لا أمام سياسي يستعد لخوض استحقاق انتخابي جديد، في وقت يحتاج فيه المواطن إلى سماع مواقف واضحة وبرامج سياسية حقيقية، لا إلى حركات “الشطيح” أمام عدسات الهواتف.

وبشيشاوة، تداول ناشطون مقطع فيديو لرئيس جماعة إيمنتانوت وهو يرقص منتشيا على إيقاع مجموعة «انزراف بويزنكاض»، وكأنه شاب في العشرينيات من عمره، وهو الذي يسعى للنزول من «التركتور» وركوب الحصان نحو البرلمان.

وآخرون مزجوا في رقصهم بين إيقاع «الجرة» والفلكلور، وكأن المنافسة الانتخابية المقبلة تحولت إلى مسابقة في الرقص والاستعراض بدل أن تكون سباقا نحو تقديم حلول واقعية لمشاكل الناس.

المهم أن الكل يتنافس على الرقص، وبالرقص، وجميع المنتخبين فرحانين.. عدا الناخبين.

فبالله عليكم، هل الوضع الراهن يبعث فعلا على الفرح والرقص؟ هل تستحق البطالة و الغلاء أن نرقص لهما؟ هل تستحق أزمة الصحة والتعليم أن نحتفل أمامها؟

وهل تستحق جثامين عشرات المغاربة العالقة في سبتة أن تمر أخبارها مرور الكرام، بينما يتسابق السياسيون على الظهور في مشاهد الفرح والرقص؟

ارقصوا ثم ارقصوا…

ارقصوا على إيقاع الدقة المراكشية، أو عبيدات الرمى، أو أحواش، ففلكلور البلاد غني، ويسع أذواقكم وأهواءكم.

ارقصوا وزيدوا “فالشطيح”.. ارقصوا أمام الكاميرات، وفي اللقاءات التواصلية، وفي المهرجانات، وفي كل مناسبة انتخابية.

أرقصوا وافرحوا، فقد نجحت دكاكينكم الإنتخابية في تمييع المشهد، ورفع منسوب النفور والعزوف

ارقصوا ما شئتم، لعل الرقص يغنيكم عن خطاباتكم المفلسة، وعن وعودكم الكاذبة، وعن برامجكم المستنسخة التي لم تعد تقنع أحدا.

ارقصوا، فربما تكون الرقصة أقصر من الخطاب، وأسهل من تقديم حصيلة، وأقل كلفة من مواجهة المواطنين بالأسئلة الحقيقية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى