
مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة في 27 شتنبر 2026، يجد المشهد السياسي المغربي نفسه أمام امتحان يتجاوز بكثير مجرد التنافس على المقاعد البرلمانية وتشكيل أغلبية حكومية جديدة، فالمغاربة لا يتوجهون إلى صناديق الاقتراع فقط لاختيار ممثليهم، وإنما يحملون معهم حصيلة سنوات من الوعود والانتظارات والأسئلة المرتبطة بالتشغيل والتعليم والصحة وغلاء المعيشة والعدالة الاجتماعية.
وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: هل تمتلك الأحزاب السياسية اليوم برامج حقيقية قادرة على تقديم أجوبة مقنعة عن هذه الانتظارات، أم أن الانتخابات ستظل مناسبة لتجديد الخطاب والوعود أكثر من كونها لحظة لتقديم بدائل سياسية واضحة؟
فالمشكلة التي تواجه الأحزاب لا تبدو مرتبطة فقط بمضمون برامجها، وإنما أيضا بقدرتها على استعادة ثقة المواطن، إذ يصعب إقناع شاب يعاني من البطالة أو أسرة تواجه ارتفاع تكاليف الحياة بأن السياسة قادرة على تغيير واقعه، إذا ظلت البرامج الانتخابية بعيدة عن التفاصيل اليومية التي تشكل جوهر حياته.
ولعل التحولات الاجتماعية الأخيرة تجعل هذا السؤال أكثر إلحاحا، فقد كشفت موجة الهجرة الجماعية نحو سبتة عن حجم منسوب الإحباط لدى فئات من الشباب، وفتحت نقاشا واسعا حول أسباب فقدان الأمل في المستقبل داخل البلاد، وبغض النظر عن الاختلاف في تفسير الظاهرة أو تحميل المسؤوليات، فإنها تستحق أن تُقرأ باعتبارها إشارة اجتماعية وسياسية قوية لا يمكن تجاهلها.
فهل يمكن اعتبار ما حدث نوعا من “الاستفتاء الاجتماعي” غير المباشر على السياسات العمومية؟ ربما يكون من التسرع اختزال ظاهرة معقدة ومتعددة الأسباب في حكم سياسي واحد، لكن من الصعب أيضا التعامل معها باعتبارها مجرد حادثة عابرة لا علاقة لها بالمناخ الاجتماعي العام.
يرى البعض أن الانتخابات المقبلة ستأتي في سياق مختلف، وأن الناخب المغربي، خصوصا الشباب، أصبح أكثر قدرة على مقارنة الخطاب السياسي بالواقع، وأكثر حضورا في الفضاء الرقمي، وأقل استعدادا لقبول الوعود غير المدعومة بأجوبة ملموسة.
وهنا تواجه المعارضة بدورها امتحانا لا يقل صعوبة عن امتحان الحكومة، فانتقاد الأداء الحكومي وحده لن يكون كافيا لاستعادة ثقة الناخبين، فالمطلوب هو تقديم بدائل قابلة للفهم والتنفيذ، وبرامج تحدد بوضوح ماذا ستفعل، وكيف ستنجزه، وبأي موارد، وفي أي آجال.
أما السؤال الأعمق فيتعلق بمستقبل الثقة في المؤسسات، فالمشاركة الانتخابية ليست مجرد رقم في نهاية يوم الاقتراع، وإنما انعكاس لعلاقة المواطن بالسياسة وبالمؤسسات وبقدرته على التأثير في القرار العام.
ومن هنا، فإن انتخابات 27 شتنبر قد تكون أكثر من محطة لتغيير أو تثبيت الخريطة الحزبية، إنها فرصة أمام مختلف الفاعلين السياسيين لإعادة طرح سؤال جوهري: هل ما تزال السياسة قادرة على إقناع المغاربة بأنها وسيلة فعلية لتغيير واقعهم؟
إذا نجحت الأحزاب في تحويل الانتخابات من موسم للوعود إلى منافسة حقيقية حول البرامج والحلول، فقد تشكل المحطة المقبلة فرصة لإعادة بناء جزء من الثقة المفقودة، أما إذا استمر الخطاب نفسه، والوجوه نفسها، والوعود نفسها، فقد يكون التحدي الأكبر أمام الجميع ليس من سيفوز بالانتخابات، وإنما كيف يمكن إقناع المواطن أصلا بأن صوته ما زال قادرا على صناعة الفارق؟.



