اراءوطني

الوجوه المستهلكة تتهافت من جديد.. هل يتجه المشهد السياسي المغربي إلى إعادة إنتاج نفسه؟

نفس الوجوه التي “أنتجت الأزمة” أو ساهمت فيها على الأقل، والتي دفعت بعشرات الآلاف من المواطنين المغاربة إلى النزوح حفاة عراة في أكبر عملية نزوح جماعي نحو سبتة المحتلة، هي نفسها التي تتصدر المشهد اليوم، وتستعد لخوض الانتخابات المقبلة، وكأن شيئا لم يحدث.

لو كان في هؤلاء المسؤولين ذرة من حياء سياسي، لكان حجم الزلزال الاجتماعي الذي هز البلاد كافيا لدفعهم إلى الاختفاء من المشهد، أو على الأقل إلى مراجعة الذات وتحمل المسؤولية السياسية، ففي بلد ديمقراطي، قد يكون زلزال سياسي بهذا الحجم كفيلا بإسقاط حكومة بأكملها وفتح نقاش واسع حول مسؤولية من كان في موقع القرار.

لكن “نفس الوجوه” التي سئمها الناخب، والتي يفترض أن تكون منشغلة بفهم أسباب ما وقع والبحث عن أجوبة حقيقية لأسئلة المغاربة، ما تزال تجيد “تخراج العينين”، وتتصرف وكأن الأزمة لم تكن سوى حادث عابر لا يستحق حتى وقفة تأمل.

فبينما كان المغاربة ينتظرون مواقف سياسية مسؤولة وقراءة هادئة لما وقع، أبى البعض الا أن يكشف عن مواهبه في الرقص على ايقاعات الفلكلور و”عبيدات الرمى”، دون مراعاة لمشاعر من فقدوا أبنائهم في هاته الأحداث، فيما انشغل آخرون بعقد لقاءات لتقديم “لاعبين جدد” التحقوا بصفوف هذا الحزب أو ذاك، فيما يشبه “ميركاتو” انتخابي مبكر، هدفه تعزيز الصفوف والاستعداد للاستحقاقات المقبلة.

والأكثر إثارة للسخرية أن كبير “نفس الوجوه” لم يجد حرجا في استقلال طائرته والتوجه نحو جزيرة مايوركا الإسبانية لقضاء عطلته والاستمتاع بأجوائها، في الوقت الذي لا تزال فيه جثث مهاجرين مغاربة عالقة وسط مياه المتوسط، وتظل قضية الهجرة الجماعية نحو سبتة شاهدة على أزمة اجتماعية وسياسية عميقة.

إنها مفارقة صادمة فعلا: مواطنون يبحثون عن مخرج من واقعهم، وسياسيون يبحثون عن مقاعدهم ومواقعهم.

فالمغاربة الذين خرجوا إلى الشوارع والحدود بحثا عن حياة أفضل، والذين شاهدوا بأعينهم حجم الأزمة، قد لا يكونون مستعدين هذه المرة لتصديق نفس الخطابات، وانتخاب نفس الوجوه، والاستماع إلى نفس الوعود.

ذلك أن أكبر إهانة للناخب ليست فقط في الفشل، وإنما في أن يفشل السياسي ثم يعود إليه طالبا صوته، وكأن شيئا لم يكن.

وهنا بالضبط تكمن المفارقة الكبرى في المشهد السياسي الحالي: أزمة غير مسبوقة، ووجوه سياسية قديمة، وذاكرة ناخب يفترض أنها لم تعد قصيرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى