مجتمعوطني

“الهروب الكبير”.. لماذا يَفرُّ المواطن من وطنه؟

لم تكن المشاهد المتداولة ليلة أمس وصباح اليوم من الحدود المغربية الإسبانية مجرد صور عابرة من محاولات للهجرة غير النظامية، بل بدت وكأنها صرخة جماعية في وجه واقع اجتماعي يزداد قسوة، مئات الشباب والمراهقين، وبعض الأسر، يخوضون البحر في اتجاه سبتة المحتلة، في مشهد تختلط فيه الرغبة في الوصول إلى الضفة الأخرى بالخوف واليأس والمجهول.

والأكثر إيلاما في هذه المشاهد ليس فقط أعداد الذين قرروا المغامرة، وإنما الطريقة التي اختاروا بها الرحيل، شباب يقتحمون البحر، وقاصرون يغامرون بحياتهم، وأمهات وآباء يحملون أطفالهم، وأجساد أنهكتها السباحة وهي تحاول بلوغ سياج حدودي يفصل بين عالمين، عالم وُلدوا فيه ولم يجدوا فيه ما يكفي من الأمل، وعالم آخر يتخيلونه فردوسا قادرا على منحهم فرصة جديدة لتحقيق أحلامهم.

إنها مشاهد قاسية تختزل سؤالا أكبر من الهجرة نفسها: لماذا يفر المواطن من وطنه؟

ليس من السهل اختزال الإجابة في البطالة أو الفقر وحدهما، فالهجرة أصبحت في جزء منها تعبيرا عن أزمة أمل، وعن شعور لدى فئات من الشباب بأن المستقبل الذي يتطلعون إليه لا يبدو متاحا داخل بلدهم، وحين يصبح البحر، بمخاطره، أقل رعبا في نظر بعضهم من واقعهم اليومي، فإن الأمر يستحق التوقف طويلا أمامه.

لقد أرهقت الحكومات المتعاقبة بمختلف توجهاتها السياسية آذان المغاربة بشعارات الإصلاح والتنمية ومحاربة البطالة وتحسين ظروف العيش، وجاءت حكومة عزيز أخنوش بشعار “الدولة الاجتماعية” و وعدت بإطلاق أوراش وبرامج في مجالات الحماية الاجتماعية والدعم والتشغيل، لكن بين الخطاب السياسي والواقع اليومي مسافة لا يمكن تجاهلها.

فالدولة الاجتماعية لا تقاس فقط بعدد البرامج التي تم إطلاقها، ولا بحجم الاعتمادات المالية المرصودة، وإنما تقاس أيضا بقدرة شاب مغربي على الحصول على عمل يحفظ كرامته، وبقدرة أسرة على مواجهة تكاليف الحياة، وبإحساس المواطن بأن مستقبله يمكن أن يُبنى داخل وطنه، لا أن يصبح حلمه الوحيد هو مغادرته.

ومن هنا، فإن ما وقع على الحدود المغربية الإسبانية لا ينبغي التعامل معه فقط باعتباره مشكلا أمنيا يستوجب تعزيز المراقبة وإحباط محاولات العبور، فالأمن ضروري، لكن المقاربة الأمنية وحدها لا تستطيع معالجة الأسباب التي تدفع الناس إلى الهجرة.

فقد يمكن أن تمنع شابا من الوصول إلى السياج الحدودي، ويمكن أن تعيده من البحر، لكن كيف ستعيد إليه الثقة في المستقبل؟ وهنا تحديدا تكمن خطورة المشهد.

إن المواطن الذي يغادر وطنه عبر الهجرة غير النظامية بحثا عن حياة أفضل لا ينبغي النظر إليه فقط باعتباره مخالفا للقانون، بل ينبغي أيضا الاستماع إلى الرسالة التي يحملها، فكل محاولة هجرة تحمل وراءها قصة، وكل شاب يغامر بحياته يحمل سؤالا، وكل أسرة تقتحم البحر بحثا عن الوصول إلى الضفة الأخرى تضع أمام الدولة والمجتمع مرآة لا يمكن كسرها بإجراءات أمنية.

وإذا كان من حق الدولة أن تحمي حدودها، فمن حق المواطن أيضا أن يسأل عن حصيلة السياسات الاجتماعية والاقتصادية، وعن أسباب استمرار البطالة والهشاشة واتساع الفوارق الاجتماعية والمجالية، وعن قدرة المدرسة والجامعة وسوق الشغل على إنتاج الأمل بدل إنتاج الرغبة في الرحيل.

الأمر لا يتعلق أيضا بتبرئة كل من يختار الهجرة من مسؤوليته، ولا بتجميل أوروبا باعتبارها «فردوسا» خاليا من المشاكل، فالهجرة غير النظامية تحمل مخاطر حقيقية، وقد تنتهي بعواقب مأساوية، لكن التحذير من المخاطر لا يلغي ضرورة البحث عن الأسباب التي تجعل هذه المخاطر تبدو للبعض أقل قسوة من البقاء.

– “حتى قط ما تيهرب من دار العرس”..

ربما تختصر هذه العبارة الشعبية المغربية، ببساطتها، كل الحكاية، فالإنسان لا يترك وطنه وأسرته وذكرياته وبيئته بسهولة، والوطن في الوجدان هو “دار العرس”، فإذا أصبح المواطن يفكر في الهروب منها، فالسؤال الحقيقي ليس فقط: لماذا يريد أن يهاجر؟ بل: ماذا حدث حتى لم يعد يشعر بأن مستقبله هنا؟

لقد أصبحت صور الحدود خلال الساعات الماضية بمثابة جرس إنذار اجتماعي، يستحق قراءة سياسية واجتماعية عميقة، لا مجرد بيانات أمنية.

وإذا كانت الحكومة تتحدث عن دولة اجتماعية، فإن المشاهد القادمة من الحدود تطرح عليها اختبارا وسؤالا صعبا: هل يشعر المواطن فعلا بأنه يعيش في دولة تمنحه الحماية والكرامة والفرصة والأمل؟، فالدولة الاجتماعية التي يقتنع بها المواطن ليست تلك التي يسمع عنها في الخطابات، بل تلك التي يلمس أثرها في جيبه، وفي عمله، وفي مدرسته، وفي مستشفاه، وفي حيه، وفي قدرته على بناء مستقبل لأبنائه.

الهروب الكبير ليس مجرد قصة حدود، ولا مجرد محاولة عبور، إنه سؤال عن الوطن نفسه: لماذا يريد بعض أبنائه الرحيل بأي ثمن؟

والأجوبة الحقيقية عن هذا السؤال لن تقدمها الدوريات الأمنية ولا الأسلاك الشائكة، وإنما سياسات عمومية قادرة على إعادة بناء الثقة، وصناعة فرص حقيقية، وإقناع المواطن بأن المستقبل يمكن أن يكون هنا أيضا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى