
جددت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان مطالبتها بفتح تحقيق مستقل وشامل لتحديد المسؤوليات المرتبطة بأحداث العبور الجماعي نحو مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين، التي وقعت أيام 30 و31 يوليوز وفاتح غشت 2026، والكشف عن ملابساتها وترتيب الآثار القانونية اللازمة، على خلفية ما وصفته بانتهاكات خطيرة طالت حقوق المهاجرات والمهاجرين.
وقالت الجمعية، في بيانها رقم 2 الصادر عن مكتبها المركزي بالرباط يوم أمس الجمعة 16 أكتوبر الجاري، إن هذه الأحداث كشفت عن وضع إنساني مأساوي، مستحضرة ما رافقها من وفيات واختفاء أشخاص، وشكايات بشأن العنف وسوء المعاملة، فضلا عن أوضاع صعبة عاشها مهاجرون، بمن فيهم أطفال وقاصرون، في مدينتي سبتة ومليلية ومحيطهما.
وأشارت الجمعية إلى أن الأحداث المذكورة أعادت تسليط الضوء على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية التي تدفع مواطنات ومواطنين من مختلف الأعمار إلى المخاطرة بحياتهم بحثا عن فرص للعيش الكريم، معتبرة أن النزوح الجماعي يعكس عمق الأزمة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ويناقض، بحسب تعبيرها، ما يروج بشأن مفهوم الدولة الاجتماعية.
– وفاة قاصر وشكايات بشأن سوء المعاملة
وسجلت الجمعية، ضمن أبرز الوقائع التي توقفت عندها، دفن جثامين مهاجرين مغاربة بمدينة سبتة دون تحديد هوياتهم، إلى جانب تقارير تفيد بعدم تسليم جثامين أشخاص جرى التعرف على هوياتهم إلى السلطات المغربية، وهو ما قالت إنه حال دون استعادة بعض الأسر جثامين ذويها.
كما أثارت وفاة قاصر مغربي يبلغ من العمر 17 سنة، كان يعاني من داء السكري من النوع الأول، داخل مركز لإيواء القاصرين بسبتة، تساؤلات بشأن ظروف التكفل الصحي به، فضلا عن تقارير تتعلق بتعرض قاصرات للاعتداء والاستغلال الجنسي، وشكايات بشأن سوء المعاملة والتهديدات داخل مرافق إيواء القاصرين.
وتحدث البيان أيضا عن شهادات بشأن تعرض مهاجرين للعنف المفرط والمضايقات وسوء المعاملة من طرف القوات العمومية المغربية والجيش الإسباني، على جانبي الحدود وداخل سبتة، معتبرا أن بعض هذه الأفعال قد ترقى إلى مستوى التعذيب أو غيره من ضروب المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.
كما نبهت الجمعية إلى استمرار معاناة المهاجرات والمهاجرين، خصوصا النساء والأطفال، في ظل نقص الغذاء والماء وصعوبة الأوضاع الإنسانية، فضلاً عن عمليات طرد جماعي أو إرجاع قسري قالت إنها تمت في ظروف صعبة، ومن دون احترام المساطر القانونية الدولية ذات الصلة بالهجرة واللجوء.
– متابعات قضائية وأحكام بالسجن
وفي الجانب القضائي، أفاد البيان بمتابعة أكثر من 60 شخصا، بينهم 18 قاصرا، على خلفية محاولة العبور إلى مليلية، وإيداعهم السجن أو مراكز حماية الطفولة بالناظور، إلى جانب صدور أحكام بالحبس النافذ وغرامات مالية، علاوة عن مبالغ تضامنية بلغت، وفق الجمعية، 84 ألف درهم في حق المعتقلين المعنيين.
كما أشار إلى متابعة 69 شخصا في حالة اعتقال بتطوان، من بينهم 11 قاصرا، فضلا عن صدور أحكام بالسجن في حق مواطنين ونشطاء من مدن أخرى، على خلفية تدوينات تنتقد سياسة الدولة في مجال الهجرة أو اتهامات تتعلق بالترويج لعملية النزوح الجماعي.
وتوقفت الجمعية كذلك عند الأحكام الصادرة في حق سائقي سيارات أجرة نقلوا مواطنين من تطوان إلى الفنيدق في إطار نشاطهم المهني، واعتقال سيدة من العرائش على خلفية تصريحات حمّلت فيها الدولة المغربية مسؤولية النزوح الجماعي نحو سبتة.
وسلط البيان الضوء أيضا على معاناة أسر المرحّلين قسرا من سبتة، مشيرا إلى اضطرار بعض العائلات إلى المبيت في العراء والانتظار لساعات أمام معبر باب سبتة لاستلام أبنائها، إضافة إلى تصريحات بشأن دفع مبالغ مالية لوسطاء مقابل ذلك.
– مطالب بحماية المهاجرين والإفراج عن المعتقلين
وعلى ضوء هذه المعطيات، أدانت الجمعية ما وصفته بالانتهاكات الصارخة للحقوق الأساسية للمهاجرات والمهاجرين، وفي مقدمتها الحق في الحياة والسلامة البدنية والكرامة، والحق في الحماية الدولية وطلب اللجوء والولوج إلى العدالة والحصول على المعلومات.
كما حذرت من أن تتحول ترتيبات التعاون بين المغرب وإسبانيا في مجال الهجرة واللجوء إلى غطاء لانتهاك حقوق الإنسان أو الإفلات من العقاب، معتبرة أن المقاربة الأمنية وحدها لا تمثل حلاً لظاهرة الهجرة، ولا تبرر تعريض حياة الأشخاص للخطر أو المساس بكرامتهم.
وطالبت الجمعية بحماية القاصرين غير المرافقين، وضمان حقهم في الرعاية الصحية والتمدرس، واحترام مبدأ المصلحة الفضلى للطفل، إلى جانب ضمان حق المهاجرين في اللجوء والحماية الدولية، والتقيد بمبدأ عدم الإعادة القسرية والحظر الدولي للطرد الجماعي.
ودعت أيضا إلى تمكين الضحايا من المساعدة القانونية والطبية والنفسية، وإحداث آلية واضحة وشفافة لتحديد هويات المتوفين وتسليم جثامينهم إلى أسرهم، والكشف عن مصير المفقودين منذ أحداث العبور الجماعي، وإنهاء حالة الغموض التي تعيشها عائلاتهم.
وفي ما يتعلق بالمعتقلين، طالبت الجمعية بإطلاق سراح المتابعين على خلفية محاولات العبور نحو سبتة ومليلية، أو إعادة محاكمتهم بما يضمن شروط المحاكمة العادلة وحقوق الدفاع، مع الدعوة إلى الإفراج عن جميع المعتقلين السياسيين.
وختمت الجمعية بيانها بدعوة الدولة المغربية إلى مراجعة سياساتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بما يضع المواطنات والمواطنين في صلبها، وتحمل مسؤولياتها في حماية حقوقهم بسبتة ومليلية المحتلتين، كما دعت السلطات الإسبانية إلى الوفاء بالتزاماتها في حماية المهاجرين وطالبي اللجوء وصون كرامتهم، واحترام الضوابط القانونية الدولية المتعلقة بالهجرة واللجوء.



